❤ منتدى بثينة علي ❤
أهلا و سهلا بكل من زار منتدانا ????????

بثينة علي ترحب بكم و تتمنى لكم قراءة ممتع مع أجمل الروايات الكورية ????
❤ منتدى بثينة علي ❤
أهلا و سهلا بكل من زار منتدانا ????????

بثينة علي ترحب بكم و تتمنى لكم قراءة ممتع مع أجمل الروايات الكورية ????
❤ منتدى بثينة علي ❤
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

❤ أهلا بكم في عالم رواياتي عالم بثينة علي ❤
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
 

 خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 24

خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الأربعاء مايو 04, 2022 12:55 pm

خلِّديني: المقدمة



السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

كيف حالكم جميعا؟

آمل أن تكونوا بخير

نشرع وإياكم في أول نوفيلا أشارك بها في مسابقة النوفيلا الحرة 2022 والتي ستكون ضمن فئة الرومنسية والروحانية...الفكرة رقم 1 ورشة من رقم 109 🌚

تفقدوا حساب المسابقة من هنا OpenNovellaContestAR وتمنوا لي التوفيق

ملاحظة هامة : قصص الحب هي مجرد قصص خيالية غرضها الترفيه فقط والحب الحقيقي غير موجود والشخص المخلص الذي لا يخون غير حقيقي البتة لذا لا تنخدعوا بالخزعبلات التي ترونها في قصصي أو أي قصص أخرى لأن الواقع والقصص مختلفان تماااااااما

لنقل بسم الله ولنبدأ

نشرت بتاريخ : 8 مارس 2022



بثينة علي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 24

خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الأربعاء مايو 04, 2022 12:56 pm

خلِّديني: الفصل الأول



«حل فصل الربيع وتفتحت أزهار شجرة المشمش المطلة على نافذة غرفتي، رائحتها العبقة أنعشت ذاكرتي لتعيدني سنوات للخلف نحو طفولة مَلْئى بالسعادة والابتهاج...»

رفعت بطلتنا قلمها عن الدفتر الذي كانت تكتب آخر بنات أفكارها عليه، بعد أن بائت محاولتها بالفشل مزقت الورقة ثم كورتها بتململ ورمتها في سلة القمامة القريبة منها وهمت بكتابة غيرها.

«السعادة، ماذا تكون السعادة؟ هل هي شيء يستحق أن نحارب لأجله؟...»

قامت بتمزيق الورقة مجددا وتكويرها وهي تتنهد بعمق مخرجة خالص الأسى والإحباط من صدرها. أرادت أن تكتب مقدمة لرواية جديدة ولكن في كل مرة لا يحالفها الحظ فتضطر لرميها كسابقاتها.

مؤخرا لم تعد تمتلك الشغف أو الأفكار لكتابة أي شيء لكنها مضطرة لنشر شيء على صفحتها على واتباد والتي هُجرت لأشهر ولم يتم تحديث أي شيء جديد بها.

قاطعتها والدتها وهي تدخل الغرفة حاملة ملابسها الجافة وأردفت قائلة:

-«بثينة، لقد جفت ملابسك، ضعيها مكانها في الخزانة»

أجابتها بتململ:

-«لا يا أمي فأنا مشغولة»

قطبت الأم حاجبيها ونبست قائلة:

-«مشغولة بماذا؟ بنشر القصص السخيفة؟ ما رأيك بدل تضييع الوقت أن تبحثي عن وظيفة شاغرة تنفعين بها نفسك»

-«فعلت يا أمي وأنتظر أن يردوا علي، ثم لن تفهمي أبدا أن الكتابة مجرد هواية لا غير ولا يمكن أن تشغلني عن عملي لو توفر»

-«وماذا استفدتي منها؟ أخبريني»

أحنت بثينة رأسها بإحباط لكن سرعان ما رفعته مجددا وأردفت قائلة:

-«إستفدت أشياء لن تفهميها وأنا بغنى عن شرحها لأي أحد لأنها معقدة، شكرا على إحضار ثيابي، سأقوم بوضعها في الخزانة»

قامت بطلتنا والتقطت ملابسها ورتبتها في الخزانة تحت ناظري والدتها التي قابلتها بحاجبين مقطوبين كونها لا تفهم ما مشكلة ابنتها ولما تشعر بالإستياء كلما حدثها أحدهم عن هوايتها.

إنشغلت بثينة بترتيب الملابس وحيدة في غرفتها إلى أن سمعت صوت إشعار قادم من الهاتف، حملته وتفقدته فوجدت رسالة من شخص مجهول يلقي عليها السلام فهمس لنفسها قائلة:

-«هؤلاء الأشخاص الذين يراسلونني على الخاص مزعجون، لن أرد، كما أنه يبدو شابا من خلال حسابه»

تجاهلته كونها تكره الحديث في الخاص مع أي أحد لو لم يكن موضوعا طارئا أو استفسارا لذا وضعت هاتفها جانبا وواصلت ترتيب ثيابها في الخزانة.

ومرة ثانية وصلها إشعار آخر وعندما تفقدته وجدت رسالة من نفس الشخص يخبرها أنه متابع قديم لحسابها ومن خلال قراءته لأعمالها شعر بكمية العواطف والأحاسيس التي تضعها فيها لذا هو مدمن عليها ويقرأها باستمرار.

إبتسمت من رسالته وشكرته على كلامه الجميل فمن عادتها أن تكون ممتنة لكل من يمدحها ولم تتجاهل كلماتهم اللطيفة من قبل حتى لا يشعروا بأنها متكبرة ومصطنعة.

وضعت الهاتف جانبا وما كادت تخطو خطوتين مبتعدة حتى سمعت صوت إشعار آخر وعندما تفقدته وجدت رسالة ثالثة أيضا من نفس الشخص يخبرها فيها أنه يريد منها كتابة رواية عن قصة حياته.

لم تعر الأمر اهتماما بالغا لذا ردت ببرود قائلة:

-«آسفة لكن لا أحب كتابة الروايات العادية، ربما لم تلاحظ ذلك لكنني أميل أكثر لكتابة الأفكار الغريبة والغير متداولة، أما قصة حياتك فقد لا تكون بالشيء الجلل الذي قد ينفع كرواية، آسفة لا أقصد الإساءة بأي شكل من الأشكال فأنا متطلبة جدا ومخلصة لما أكتبه ولو لم يكن يخصني فلن أستطيع الإبداع فيه»

أجابها في نفس الثانية قائلا:

-«أنتِ تجرحين مشاعري، ثم ما أدراكِ أن قصة حياتي عادية؟»

أجابته:

-«لست متأكدة ولكن لا أظن أنها توافي معاييري المتطلبة جدا جدا»

-«سأدفع لكِ 500 دولار مقابل أن تكتبيها وتنشريها في حسابك»

فجأة فتحت عينيها وازدردت ريقها مخبرة عن صدمة أصابتها لسماع فحوى كلامه، خمس مائة دولار هي مبلغ كبير لو تم تحويله للدينار الجزائري، لذا أجابته بسرعة:

-«لماذا تريد تخريب هذا المبلغ على رواية سخيفة قد لا تنجح؟!»

-«وما أدراكِ أنها لن تنجح؟ أنتِ متسرعة في الحكم، ظننت أن هاويات الكتابة هادئات وحكيمات»

-«فقط أنا مستغربة، لما قد يدفع أي أحد مبلغا كهذا لفتاة هاوية أعمالها عادية وبسيطة من أجل كتابة قصة حياته؟!»

-«نعم المعجبون مهووسون، وأنا معجب مهووس بك وقد أرتكب أشياء سخيفة دون تفكير، لكن متأكد أنني لن أندم، موافقة؟»

فكرت بثينة مليا وتذكرت أنها بدون وظيفة حاليا وقد تكون فرصة ذهبية، إنها أشبه بوظيفة جديدة يمكنها بذل قصارى جهدها عليها وجني المال ومنه تمارس هوايتها المفضلة لذا أجابته بعد تفكير دام لدقائق:

-«موافقة، أخبرني بقصتك وكلي آذان صاغية»

-«كتابيا؟»

-«بلى، ألا تستطيع؟»

-«ستنكسر أصابعي قبل أن أحكي جُزَيْئًا منها لذا هلاَّ تقابلنا أحسن، أظن أن جهد الكلام سيكون أقل»

-«نتقابل؟! هل نستطيع؟! ترى من أين أنت؟!»

-«الجزائر، مدينة سطيف»

إنصدمت مما سمعته فهذه أول مرة تقابل شخصا من معجبيها يسكن وإياها نفس البلد والمدينة، لكن كونها مفلسة وهذه فرصة عمل لا تعوض فقد وافقت فورا قائلة:

-«لا مشكلة، أخبرني بالمكان الذي نلتقي فيه وأنا سآتي إليك في الغد»

-«حسنا»

من شدة حماسها ابتسمت وركضت نحو والدتها في المطبخ تعانقها بحرارة صارخة:

-«أمي! حصلت على مقابلة عمل أخيرا وإن حصل اتفاق سأجني المال»

أجابتها والدتها وهي تبادلها العناق:

-«مبروك يا ابنتي، عرفت أن دراستك الجامعية لن تذهب أدراج الرياح»

قطبت بثينة حاجبيها وابتعدت عن والدتها وهي تلعب بأصابعها بتردد، إحتارت بين إخبارها الحقيقة أو كتمان الأمر فهو يبدو غريبا، وفي النهاية قررت إخفائه عنها فهي كثيرة القلق وستمنعها كون الموضوع مثيرا للريبة.

في النهاية ابتسمت وقالت بمزاح:

-«رأيتي؟ عرفت أنهم سيتصلون، ولا تقلقي فبالتأكيد سنتفق، متأكدة أنهم لن يُضيعوا منهم فتاةً بذكائي ومستواي التعليمي الجيد»

في يوم الغد تجهزت بثينة بحماس ووقفت أمام المرآة تتأكد من مظهرها، كانت تبدو طبيعية جدا بملابسها العادية التي هي عبارة عن سروال جينز وقميص وسترة، حتى وجهها خالٍ من مساحيق التجميل تماما فهي تحب كونها طبيعية وفخورة بجمالها الحقيقي، إضافة لتسريحة شعرها الطبيعية فقد فردت شعرها ووضعت عليه دبوسا لترفع الغرة لأعلى.

إبتسمت لنفسها ثم قالت:

-«لا أعلم لما أنا متوترة! أبدو كمن ستذهب لمقابلة شاب في موعد لأول مرة، غريب أن أستعيد هذا الشعور الذي لم يساورني لسنوات»

فجأة تحولت ابتسامتها لعبوس طفيف وعدم ارتياح ولكنها حاولت الابتسام مجددا وقالت لنفسها محمسةً:

-«كم أنتِ رائعة بثينة، لا تكتئبي، لقد وعدتني أن تحبي نفسك وتمنحيها ابتسامة دائمة، كوني قوية هيا»

إرتدت حذائها بسرعة وركضت لتصل على الموعد وأثناء طريقها حدثت نفسها قائلة:

-«أتمنى أن تكون فكرته للرواية جيدة فأنا بحاجة لإلهام، لا تعجبني فكرة نشر شيء في حسابي فقط لأجل المال لكنني مضطرة»

وصلت بطلتنا أخيرا لوجهتها في أحد المقاهي وجلست في طاولة بعيدة عن باقي الزبائن فهي غير اجتماعية بطبيعتها وتحب العزلة والهدوء والبقاء في الأماكن الجانبية.

إنتظرت بعض الوقت وهي تحدق من حولها باحثة عن أي أحد متجه صوبها لعله الشخص المنتظر لكن لم يكن هناك سوى زبائن يدخلون ويخرجون من المقهى مشغولين بأمورهم الخاصة.

تأخر الوقت وهي تحدق بساعتها وتحسب الدقائق ومن حين لآخر تتنهد بعمق مخرجة قدرا عاليا من التوتر الذي اجتاح صدرها.

بعد أن كادت تيأس من قدومه اتصلت به لتعرف أين صار لكنها توقفت وأخفضت هاتفها حين سمعت صوت أقدام يتجه ناحيتها، رفعت رأسها بسرعة ونظرت للقابع أمامها لترى
شابا مألوف الملامح بابتسامة مشرقة وعينين مبتهجتين، كان يرتدي ملابس رسمية وكل شيء في شكله يوحي أنه يعيش الرفاهية المادية.

إرتجفت أواصلها واهتزت شفاهها وهي تحدق به واكتفت بالصمت ومراقبة ما ستؤول إليه الأمور.

بعد أن رأى منها ردة الفعل تلك جلس مقابلا لها وهو محافظ على ابتسامته مما جعلها تشعر بالريبة فنطقت بصوت مهتز متقطع:

-«عذرا منك، أنتظر أحدهم هنا»

أجابها بينما يضع كلتا يديه على الطاولة ويشبكهما ببعض ويبتسم:

-«أعلم، وأنا هو»

رفع يده نحوها ليصافحها لكنها أبقت ناظريها على يده التي كانت ترتجف من حين لآخر وهو يحاول إبقائها ثابتة، عاد بها الزمن سنوات للخلف حين شهدت نفس اللقطة منه ولكن في ظروف ومكان مختلفين.

شوش أفكارها رؤيتها له يسحب يده بعد أن رفضت مبادلته المصافحة ثم أردف قائلا:

-«أعلم أنها حقيقة صادمة بالنسبة إليك، لكن نعم، أنا من معجبيك»

ردت عليه بنبرة باردة خالية من أي اهتمام:

-«كيف عرفت إسم حسابي؟ كيف عثرت علي؟»

-«ليس بالأمر الصعب، أنتِ تضعين صورتكِ الشخصية واسمك»

-«بحثت عني؟»

-«صدقا لا، كنت أتصفح الإنترنت فعثرت عليك، جميل أن أعرف أن حبيبتي السابقة صارت كاتبة»

-«من الأصح قول فتاة كنت تعرفها»

-«إن كان هذا يريحك فحسنا سأناديكِ هكذا، جميل أن أعرف أن فتاةً كانت من معارفي ذات يوم أصبحت كاتبة»

-«هل ما قلته في الرسائل حقيقي؟»

-«نعم، حقيقي، أريد منكِ أن تكتبي قصة حياتي مقابل المال»

-«بصراحة لم أعد متأكدة، العلاقة بيننا سيئة»

-«من الذي علاقته بالآخر سيئة؟ تقصدينني؟ لا أبدا، لست أكن لكِ أي ضغينة ولست هنا لأحاسبك على الأيام الخوالي، شاء الله أن يلاقيني بكِ فقررت جعلكِ كاتبة لقصة حياتي ولا أرى غيركِ كفؤا لهذا بعد، أتوافقين؟»

شددت بثينة على قبضتها المُخفاة تحت الطاولة وهي تهمس بينها وبين نفسها قائلة:

-«لا تُكن لي أي ضغينة؟! ولما تفعل وأنت من أخطأت في حقي وحطمت قلبي ورميتني في جحيم الاكتئاب لسنوات، أنا من يحق لها الحديث عن الضغينة لا أنت»

بعد أن أدرك القابع أمامها أنها مترددة حاول مراعاتها وأردف قائلا:

-«في حال ما كنتِ تريدين الرفض فأنتِ حرة، فقط أردت إخبارك أنه ما من ضغينة بيننا وأحببت تبيين الأمر وجها لوجه»

هزت بثينة رأسها بهدوء بعد أن فهمت قصده ولكنها لم ترفع نظرها نحوه البتة وأردفت:

-«سأفكر في الأمر أكثر»

أذعن الضيف لطلبها وابتسم ثم رفع يده مجددا نحوها ليصافحها وأردف:

-«سررت بمقابلتك مجددا، في حال أردتي أن نتعارف من البداية فأعرفك نفسي، أدعى إسلام»

كانت شفتاها على وشك الإرتجاف وهما تنطقان حين نبست الكلام:

-«سررت بلقائك، أنا أدعى بثينة علي»

-«تشرفنا، هل تشربين شيئا؟»

-«لا شكرا، تأخرت عن العودة للمنزل وأمي تراسلني منذ وقت، شكرا جزيلا، أراك في القريب العاجل»

بادلته المصافحة بسرعة وهمت بالخروج من المقهى بخطوات مضطربة وسريعة، واصل جسدها الارتجاف ببطئ وشعرت بالبرد من شدة هول الموقف الذي وُضعت فيه.

بمجرد وصولها للحافلة استندت على الكرسي بظهرها وتنهدت بعمق وهي تضع يدها على قلبها وتكلم نفسها قائلة:

-«لقاء غريب! بعد ثلاث سنوات!»

عادت للمنزل وهي شاردة الذهن تحدق بالفراغ بذهول غير مصدقة لما حصل قبل دقائق، إستقبلتها والدتها بابتسامة وتمسكت بذراعها ونبست قائلة:

-«متى ستبدأين؟»

لم تبدي الأخرى أي رد فعل ثم ذهبت لغرفتها ورمت نفسها على السرير فلحقت بها والدتها وأردفت:

-«لم يتم قبولك! ولما كل هذا اليأس؟ ليست آخر وظيفة في العالم، ستجدين فرصا غيرها، فقط أبعدي هذا الوجه التعيس من أمامي فرؤيتكِ هكذا تخيفني»

إبتسمت لها بثينة بتكلف ثم انقلبت لتنام على بطنها وتدفن رأسها في أعماق الوسادة مخفية إياه عن والدتها.

بعد لحظات أردفت الأم:

-«كفى، قلت لكِ لا يهم، سأذهب لتحضير العشاء واحزري ماذا لدينا الليلة؟ حساء لحم البقر»

رفعت بثينة رأسها من الوسادة ونظرت لأمها وأردفت:

-«أريد الكثير منه، أشعر بالجوع الشديد»

قهقهت الأم بصوت خافت وقالت:

-«حاضر، ذاهبة فورا»

خرجت الأم من الغرفة فتقلبت بثينة على ظهرها وبقيت تحدق بالسقف بشرود تفكر في الحادثة الغريبة التي حدثت اليوم، لم تتوقع في يوم من الأيام أن سبب كابوسها الذي عانت لتخرج منه لسنوات هو واحد من معجبي أعمالها والأغرب أنه يريد بدء صفقة معها مقابل المال.

فجأة صارت تتبادر في ذهنها ذكرى لهما من أول لقاء، كان ذاك اللقاء قبل 4 سنوات وكانت يده ترتجف، بالضبط كما حصل اليوم، لقد كان يتظاهر أمامها بأنه متوتر وخائف لتصدق أنه خجول ولم يقابل فتاةً من قبل ويخرج معها في موعد، لكن ما اكتشفته لاحقا كان صادما.

بعد تفكير عميق دام لدقائق قررت أن ترفض ذلك العرض وتستمر بحياتها الطبيعية كما كانت، لا شيء أفضل من تجاهل ما يعكر مزاجك، كانت هذه القاعدة رفيقتها وأنيستها في محطات حياتها السابقة ولولاها ما تمكنت من الاستمرار لحد اللحظة.

حملت هاتفها لتكتب له رسالة تخبره فيها برفض العرض ولكن فاجأها صوت الهاتف معلنا عن اتصال من صديقتها هبة فردت عليها مباشرة كونها في حاجة ماسة إليها.

بمجرد أن ردت صرخت بدلال:

-«ساعديني، لقد وقعت في موقف لا تحمد عقباه»

قطبت هبة حاجبيها وأردفت:

-«مالأمر؟! كنت أود الاطمئنان عليكِ لكن تصرفاتك غريبة!»

-«ذاك الوغد، لقد تواصل معي، ألم تقولي أنه لن يفعل إن تجاهلته لفترة معينة؟ ما باله عاد بعد كل هذه السنوات ليوقع اتفاقا غريبا معي»

أجابتها الأخرى بينما تفرك رأسها بعدم فهم:

-«إهدأي وأخبريني مالقصة»

أخبرتها بثينة بالقصة كاملة واستغرقت في سردها فترة طويلة لأنها تتنهد وتتوقف في كل جُزئية مهمة وتشرد بذهنها لفترة وهي تتذكر كم المعاناة التي عاشتها بسببه.

بعد أن انتهت من سردها شعرت هبة بالغضب الشديد وصرخت بحدة قائلة:

-«كيف يجرأ! إياكِ وقبول عرضه لأنه سيجدها فرصة لتحريك مشاعرك وإيقاعك بشراكه مجددا»

-«أعلم، ولهذا سأرفض طلبه»

-«هيا تواصلي معه فورا وارفضي، قلبك ليس لعبة يويو ليتركك ويعود متى شاء»

-«حسنا سأخبره وأعيد الاتصال بكِ لأخبرك بالمستجدات»

قطعت بثينة الخط واتجهت مباشرة لمراسلة إسلام برسالة نصية تخبره فيها بأنها ترفض عرضه كونها لا تكتب في صفحتها إلا ما يعجبها، وانجرارها هكذا خلف المال أمر خاطئ.

بعد عدة دقائق من الانتظار وصلها الرد الذي كانت تتوقعه على كل حال، كانت متأكدة أنه سيواصل المحاولة حتى توافق، لكن ما إن فتحت الرسالة حتى انصدمت مما قرأته فيها.

كان مكتوبا بالحرف الواحد: «أرجوكِ لا ترفضي طلبي، لم يبقى لي الكثير من الوقت لأعيشه، أرجوكِ»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 24

خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الأربعاء مايو 04, 2022 12:57 pm

خلِّديني: الفصل الثاني



صوت خطوات أقدام لكعبٍ عالٍ تملأ المقهى تتبعها ضربة قوية على إحدى الطاولات التي يجلس عليها إسلام، كان القادم هو بثينة التي اجتاح الغضب تعابير وجهها.

قابلها الآخر بابتسامة متكلفة لكن لم يتمكن من تحسين مزاجها بل انفجرت فيه صارخةً بغضب عارم لفت كل من في المقهى:

-«ألا تسأم من الدراما والتمثيل والأكاذيب السخيفة؟ مجددا؟ تريد مني تصديق أنك مصاب بمرض السرطان ولم يبقى الكثير لغادر هذا العالم؟ هل تظنني غبية؟»

إكتفى الآخر بالاستماع لها بينما تخرج الحروف من شفاهها بحشرجة قاتلة، كانت تتحدث بلعثمة وتحاول جاهدة الحفاظ على نبرة صوتها المهتزة أثناء الحديث، ثم واصلت رفع صوتها قائلةً:

-«من تظنني؟ بثينة الغبية التافهة التي عهدتها في السابق؟ لعلمك فأنا لم أعد تلك، أنا الآن فتاة فطنة وذكية ولن ينطلي علي تمثيلك السخيف، تود إظهار نفسك في مظهر الرجل البريء المسكين؟ خسئت، لن أنخدع بك مجددا ولن أستجيب لرغباتك، منذ الآن اتفاقنا ملغى ولن أتعب نفسي في التفكير أكثر لذا وداعا، لا تتواصل معي وجد لنفسك شيئا تنشغل به بدل محاولة السخرية مني في كل مرة، قف عند حدك أيها المريض، قف عند حدك»

كانت منفعلة لدرجة أنها كررت ضرب الطاولة بقسوة بين كل جملة وجملة وأثارت فوضى عارمة في المقهى بحيث استمع لها كل من في الموقع والتفتوا نحوها يشاهدون العرض باستمتاع.

ورغم كل ذلك بقي الآخر محافظا على نفس الابتسامة وأخيرا نطق بعد أن تركها تعبر عن غضبها قائلا:

-«إهدأي، لو كنت أعلم أنكِ ستنفعلين هكذا لما قبلت لقاءك هنا، كان من الأجدر بنا الذهاب لمكان مفتوح»

رفعت أحد حاجبيها متهكمة وضحكت بسخرية ثم قالت:

-«هل أنت أصم؟ أهذا كل ما يهمك؟ ألم تهمك كل ملاحظاتي؟ كل انفعالاتي؟ ألا تملك أي رد على كل ما قلته؟ أم مازلت تواصل التمثيل حتى بعد أن انكشفت؟»

-«فعلا، لا أخال أنني أمتلك ردا شافيا لك؛ لأن كل ما سأقوله لن يتم تصديقه»

-«أخيرا اعترفت أنك مجرد كاذب»

-«أيٌ من كلامي بالضبط يوحي أنني كاذب؟»

-«أتعلم؟ لقد سئمت الثرثرة معك، لما أنتظر تبريرا من الأساس ويمكنني المغادرة وتركك فحسب»

لم تودعه حتى ولم تلقِ بالا لصراخه المستمر خلفها بأن تعود وخرجت من هناك تتنفس بعمق كما لو أنها كانت تغوص تحت الماء لساعات، نفسها منقطع وقلبها يكاد يصرخ طالبا الرحمة من سرعة نبضاته واضطرابه، بالكاد عرفت طريق العودة فقد كانت تسير في الشارع عشوائيا غير مدركة لما تفعل.

فجأة! أوقفتها ذراع تسحبها من الخلف من يدها فتوقفت بسرعة وسحبت نفسها بعيدا واستدارت نحوه لتواجهه بوجهها الغاضب وصرخت:

-«من أعطاك الحق بلمسي؟»

أجابها بعد أن اختفت ابتسامته تلك وظهر مكانها حزن ويأس:

-«أعتذر، كانت الطريقة الوحيدة لإيقافك، لا أريد أن تغادري غاضبة، لنحل سوء الفهم أولا وليمضي كلٌ في طريقه»

-«ما من سوء فهم بيننا، ألا تفهم أن كل ما أريده منك تركي وشأني؟»

-«كل هذا لأنني أخبرتك بشأن مرضي؟»

-«نعم، مرضك الذي اختلقته لكسب التعاطف»

حدق بها للحظات محاولا كتم دموعه ثم انحنى مخرجا ورقة من حقيبته وقدمها لها، لم تعر الأخرى الورقة اهتماما بل أدارت وجهها للجهة المعاكسة فقال لها:

-«فرصة واحدة، أعطني فرصة واحدة فقط لأبرر نفسي، وهذه المرة بدون أكاذيب»

رغم كرهها الشديد له التفتت نحو الورقة والتقطتها بشيء من العنف ونظرت فيها، كانت عبارة عن وثيقة موقعة من مستشفى أمراض السرطان وعليها اسمه الكامل وعمره، بمجرد رؤيتها لذلك غاصت في شرود عميق وارتجفت أواصلها لدرجة أن توترها بدا واضحا من خلال ارتجاف الورقة، كانت على وشك ذرف الدموع مما جعلها تحارب نفسها لكبح الشلالات الساخنة التي أطلقت العنان لتدفقها.

إستمر الوضع للحظات وما إن كادت دموعها تنهمر حتى استدارت معطية إياه ظهرها ثم مدت يدها للخلف مسلمة الورقة له، كل ذلك حتى لا يرى دموعها، وبعد أن هدأت قليلا أردفت وهي على نفس الحال:

-«فهمت، أتمنى لك الشفاء، سأعود للمنزل، ولنتحدث من خلال الرسائل النصية أحسن»

أجابها وهو يحاول تصنع الابتسامة:

-«حسنا، فقط لا تخذليني»

صمت لبعض الوقت يسترد شتات نفسه ثم قال:

-«بما أن أيامي صارت معدودة فمن فضلك خلديني في عمل من أعمالك»

-«لماذا أنا بالذات؟!»

همس بصوت غير مسموع البتة قائلا:

-«لأنني مازلت أحبكِ رغم الانفصال»

ثم قال بصوت عالٍ لكي تسمعه:

-«لأنكِ كاتبتي المفضلة، سيكون شرفا عظيما لي»

أومأت برأسها أن نعم ثم ودعته وغادرت وكل هذا دون أن تلتفت له وتنظر لوجهه البتة.

بعد عودتها للبيت جلست على طاولة العشاء مع والديها ومن شدة يأسها وتوترها وضعت طبق الطعام أمامها والتهمته بسرعة وشراهة أمام ناظري والديها اللذان استغربا من تصرفها المنفر الغريب.

بعد أن التهمت كل ما بطبقها للفتات الأخير وضعته أمام والدتها وصرخت:

-«المزيد لو سمحتِ»

أذعنت لها والدتها وملأت طبقها ثم جلست هادئة تراقبها وهي تأكل بشراهة إلى أن علق الطعام بحلقها فصارت تضرب على صدرها وتركض باحثة عن الماء، في تلك اللحظة تدخلت أمها وهي تلحق بها.

وصلت بثينة أخيرا للمطبخ ووقفت أمام مغسلة الماء تشرب من الحنفية بدون انقطاع فوقفت والدتها خلفها وضربت على كتفها مهونة عليها قائلةً:

-«أعلم أنكِ لستِ بخير، لا تتصرفي هكذا فالطعام لن يهرب، وأيضا آسفة لضغطي المستمر عليكِ لتحصلي على وظيفة فيبدو أن الأمر أثر سلبا على نفسيتك»

مسحت الأخرى قطرات الماء المتنازلة من شفتيها والتفتت لتواجه أمها بابتسامة متكلفة واضحة وأردفت قائلةً:

-«لا تقلقي فالأمر ليس بشأن الوظيفة، فجأة شعرت بجوع شديد بسبب تجولي في الخارج طوال اليوم، حتى أنني لم أتناول طعام الغداء لذا فمن الطبيعي أن يصيبني ما أصاب، كوني مطمئنة فأنا بخير»

-«إن كان الأمر كذلك فلا بأس، تعالي لتناول الطعام»

-«لقد شبعت، بالإذن»

توجهت نحو غرفتها واستلقت بجانب قطها النائم على السرير ثم حملته في الهواء وصارت تحدثه قائلةً:

-«تُستُس! هل سبق ووقعت بحب قطة وقامت بخداعك؟ كيف كان شعورك حينها؟ هل هو مؤلم للقطط بقدر البشر؟ هل يترك ندوبا عميقة...»

قاطعها صوت أحدهم يطرق الباب ثم دخلت والدتها قائلةً:

-«لقد جاءت هبة لزيارتك»

بمجرد دخول هبة وإغلاقها الباب خلفها عانقتها بثينة بحرارة مغدقة إياها بخالص الحب والسعادة فأردفت الأخرى:

-«لا حاجة لأسأل، أعرف أن زوابعًا من الألم تعصف في داخلك»

ردت بثينة بحزن:

-«بل أسوأ، صدري يتمزق، هناك آلاف الطيور الجائعة تنهشه من الداخل لحما وعظما»

إنفجرت الأخرى ضاحكةً وقالت:

-«لأجل من؟ لأجل حثالة؟!»

-«ذاك الحثالة سيموت، لقد تم تشخيصه بمرض السرطان، عافانا الله»

سرعان ما تحولت ابتسامة هبة لصدمة وقالت:

-«تمازحينني؟»

أومأت الأخرى برأسها أن لا ثم توجهت للجلوس على سريرها ووضعت كفيها على وجهها بعد أن باغتتها الدموع وانهمرت خلسة.

عانقتها صديقتها وربتت على ظهرها وهي مكسورة القلب لحالها ثم قالت:

-«لا تبكي، أخبريني ماذا حصل؟»

مسحت بثينة دموعها بصعوبة وقالت بحشرجة:

-«لقد دعوت الله صباحا مساء، ليلا نهار، في كل حال أنا عليه، دعوته حتى يتحطم ذلك المخادع، ويندم، ويتعذب أضعاف ما عذبني، لقد تمنيت له الموت مرات عدة في لحظات غفلتي لكن حين أعي على نفسي أستعيذ بالله وأقول أنه مهما فعل لي فلا يستحق الموت، أنا المذنبة لأنني أعطيت ثقتي لمن لا يستحق، أنا المذنبة لأنني وافقت على الدخول معه في علاقة، لا أعلم ما أقول، تبين أن دعواتي قد استُجيبت، أعتقد أنني السبب في مرضه»

ردت الأخرى وهي تمسح على شعرها:

-«كفى! هذا مستحيل، لو كان الله يستجيب لدعواتنا حين ندعوه بموت أي إنسان لتمكنا من قتل من نريد وعشنا بسلام، لستِ المذنبة، إنه مجرد قضاء وقدر لا يمكن تغييره»

رغم كلامها لم تتغير حال الأخرى فواصلت الكلام قائلةً:

-«ألهذا السبب طلب منكِ كتابة قصة حياته؟ لأنه سيموت؟»

قالت الأخرى:

-«نعم، يقول أنني كاتبته المفضلة، العالم غريب حقا»

تنهدت بثينة بعمق ثم قالت مواصلة حديثها:

-«بعد انفصالنا ببضع أشهر كنت أعاني الأمرين لنسيانه، وبسبب الفراغ القاتل والوحدة قررت بدأ هواية أعبر بها عن مشاعري وأفرغ عليها طاقتي السلبية وكانت تلك الهواية هي الكتابة، لقد كانت مؤنسي الوحيد في عزلتي ولها الفضل الكبير في تحسن حالي، أي أنه كان السبب في مباشرتي لهذه الهواية»

-«ثم...؟!»

-«ثم دار الزمن وانقلبت الأدوار وعاد إلي طالبا أن أكتب له رواية مستعملة الموهبة التي كان له فضل كبير في تفجرها في داخلي»

-«يال الصدفة! الزمن يعيد نفسه!  علي تعلم الدرس من هذه الحادثة، لن أخدع أو أجرح أحدا أبدا حتى لا يدور الزمن وأعود للتوسل إليه هكذا»

-«نعم، أعتقد أن هذا الدرس القيم تنبيه مهم لنا جميعا»

-«هل ستوافقين على طلبه؟»

أجابتها الأخرى وهي تخفض رأسها بحزن وإحباط:

-«لا أعلم، مازلت لا أعلم كيف أتصرف لحد اللحظة، لقد قال أنها أمنيته الأخيرة، في حال وافقت فسأحققها له وأكون فتاةً جيدة وطيبة القلب لا تحقد على أحد ولا حتى عن من حطمها، وفي حال رفضت سيكون انتقاما مثالي، لكن ما رأيك؟»

قالت هبة وهي تفرك مؤخرة رأسها بتعجب:

-«لا أعلم؛ السرطان شيء لا يستهان به، رغم حقدي عليه لجرحه مشاعرك لكنني أتعاطف معه فجميعنا نعرف خطورة هذا المرض الخبيث وحساسيته»

ثم تنهدت تنهيدة طويبة زفرت معها خالص الأسى والحزن وقالت:

-«قرار صعب، أصعب من اختيار تخصصي الجامعي، لم أتوقع أنني في يوم من الأيام سأتردد بخصوصه، لقد كنت دائما ذات موقف ثابت وتمكنت من صده عشرات المرات ولكن ها أنا ذا أقع وقعة قاسية في قرارٍ قاسٍ من جلادٍ قاسٍ لا يدرك الرحمة»

-«تحقيقك لأمنيته الأخيرة يعني أنكِ سامحته»

-«ومن قال أنني لم أسامحه؟ لقد سامحته حقا، ومن أعماق فؤادي، كوني أتجاهله وأصده لا يعني أنني أكرهه أو أحقد عليه، بل أنا فقط...أخاف أن يحن قلبي إن قابلته أو سمعت صوته»

أومأت الأخرى برأسها بعد أن فهمت قصدها ثم قالت:

-«موقف مؤلم، أتفهمك، وأساندك، وأيًّا ما كان قرارك فسأدعمك»

-«مازلت أحتاج مساحة للتفكير، لا أريد أن أندم»

-«محقة، خذي وقتك»

في يوم الغد استندت بثينة على الكنبة وبيدها جهاز التحكم تقلب به قنوات التلفاز باحثة عن شيء يثير اهتمامها. فجأة علا صوت والدتها من المطبخ صارخةً عليها:

-«بثينة! عزيزتي، هلاَّ ذهبتِ للمتجر وأحضرتِ لي أغراض البقالة لأعد الغداء»

أجابتها الأخرى بتململ:

-«مشغولة يا أمي»

-«مشغولة بمشاهدة التلفاز؟»

-«بل بتجميع قطع روحي التي لا أعلم أين اندثرت واختفت»

-«كفي عن الكلام بلغة بليغة فأنتِ تعلمين تمام المعرفة أنني لا أفهم عليك، أسرعي فالبقالة لن تشتري نفسها»

عبست الأخرى وتنهدت بقلة حيلة ثم توجهت للمتجر باحثة عن الأغراض التي تحتاجها والدتها والتي سجلتها في قائمة طويلة بالكاد تستطيع حملها كلها في كيس واحد.

بعد أن اشترت كل شيء ووضعته في السلة قالت متذمرة:

-«مالذي تخطط أمي لطبخه اليوم! عزيمة لكل المدينة؟!»

وضع البائع لها المشتريات في عدة أكياس وأثناء عملية الحساب بقيت تحدثه فهي تعرفه منذ عدة سنوات وتلقي عليه التحية كلما قابلته أو زارت متجره وهو شاب في مقتبل العمر وسيم ولطيف معها.

بعد أن أنهى أغراضها نظر إليها فلاحظ أنها غريبة على غير عادتها فقال:

-«لا أدري ما يعكر مزاجك لكن هل تحبين التفاح الأحمر؟»

أجابته مستغربة:

-«نعم، لماذا؟!»

حمل حبة تفاح من الصندوق ورماها لها فالتقطتها وابتسمت فقال لها:

-«إحضي بيوم جيد أيتها الزبونة الوفية»

ضحكت على رسميته معها بصوت خافت ثم حملت أغراضها وهمت بالخروج ولكن فجأة تراجعت للخلف وعادت حيث البائع ووضعت الأغراض أرضا ثم أردفت:

-«مصعب! أيمكني استشارتك في أمر؟»

-«طبعا»

-«لو أن أحدهم خذلك وخان وعوده وكذب عليك كذبة لا تستطيع مسامحته لأجلها، ودار الزمن وعاد إليك طالبا أمنية أخيرة لأنه سيموت بسبب مرض خبيث، وكان بيدك تحقيق تلك الأمنية له أو الرفض فماذا ستختار؟»

فكر الآخر مليا ووضع إصبعه على ذقنه يتلمسه بهدوء ثم قال:

-«تقصدين أن بيدك الانتقام منه أو تنفيذ طلبه الذي لن ينام مرتاحا لو لم يحققه؟»

-«أعتقد ذلك، لا أعلم بالضبط»

-«إسألي هذا السؤال لنفسك، في حال انتقمتي منه وحرمته من تلك الأمنية الأخيرة فهل ستعيشين سعيدة مرتاحة الضمير؟»

فجأة تصنمت بثينة مكانها من هول الإجابة وعمقها وأثرها الواضح على نفسيتها، كانت إجابة كافية ببث الندم في نفسها وتغيير رأيها مائة وثمانين درجة.

بعد أن رأى الآخر ردة الفعل تلك منها واصل حديثه قائلا:

-«مشكلة الناس الطيبين هو أنهم لا يفرحون بالانتقام وانقلاب موازين الحياة، حتى لو كان الأمر يخص أشخاصا جرحوهم وعذبوهم لسنوات، أظنكِ من هذا النوع، أم أنني مخطئ؟»

أجابته بحشرجة:

-«لا أدري»

-«لا أعرف من تقصدين بكلامك ولا أعرف إن كان ذكرا أم أنثى، لكن من خلال السنوات القليلة التي عرفتكِ فيها بدوتي صادقة ونقية القلب، لا تحملين حقدا لأحد ولا تتمنين الأذية لأحد، وفي حالة كهذه أتوقع أن تختاري تنفيذ أمنية ذلك الشخص قبل موته، هذا سيجعله يغمض عينيه على خيالك الطيب والدافئ ويندم أشد ندم على الأيام الخوالي»

مع كل كلمة ينطفها تأكدت بثينة أكثر أنها لن تندم على هذا الحوار الذي فتح عينيها على حقيقة غفلت عنها طويلا، بأنها لن تعيش مرتاحة قط ما لم تحقق أمنية حبيبها السابق الأخيرة.

صحيح أنه جرحها وآلمها، ودمر سنوات من حياتها أمضتهم في الاكتئاب والعزلة، ولكن لم تنكر أن له الفضل في جعلها تعيش لحظات الحب الدافئة والسعادة المطلقة، والذكريات الوردية الجميلة.

حملت هاتفها على الفور وكتبت له رسالة نصية فحواها: «مرحبا، لقد قررت أخيرا، أود العمل معك، وأتمنى أن أكون في حسن ظنك، أخبرني متى سنبدأ»

ثم وضعت الهاتف جانبا وابتسمت بتكلف ونبست لنفسها:

-«لا أفعل ذلك لأجلك، بل لأجلي، لأجل بثينة الطيبة، لكي لا تتألم وتشعر بالذنب بعد موتك»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 24

خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الأربعاء مايو 04, 2022 12:57 pm

خلِّديني : الفصل الثالث



إنه صباح يوم ربيعي هادئ، أشعة الشمس الدافئة تلطف الجو والنسيم العليل المنعش يرتطم بأوراق الأشجار الخضراء لينتج لحنًا عذبا يستمتع به كل الجالسين تحت ظلال شجيرات الحدائق.

وتحت إحدى الأشجار وبالذات عند كرسي وطاولة متموضعين في الحديقة، جلست بثينة تستمع لأغنية هادئة تترنم ألحانها بسمعها فتفقدها إحساسها بالواقع المرير وتأخذها لعالم خالٍ من الحزن واليأس.

أيقظها من أحلام يقظتها صوت القادم نحوها وهو يلقي التحية ويجلس بجانبها فأزالت السماعات من أذنيها ونظرت إليه بوجه خالٍ من أي تعابير، كان ذلك حبيبها السابق الذي لم تعتد بعد على مقابلته بوجه بشوش لأنها لا تشعر بالراحة حتى بعد قبولها للعرض.

نبس الآخر بصوت خافت:

-«أتمنى أنني لم أتأخر عليك»

-«لا لم تفعل، كنت أستمع للموسيقى»

-«لا بد أنها الأغاني الكورية، هل مازلتِ من محبي الطرب الكوري؟»

فجأة استحوذ عليها شعور بالحنين أخذها بعيدا عن عالم الواقع، للأيام التي كانا فيها يتحدثان طويلا عن اهتماماتهما ونوعيهما المفضلين من أغاني الموسيقى.

ومجددا قاطع شرودها بقوله:

-«يبدو أن الإجابة لا»

ردت عليه بينما تخبئ سماعاتها في الحقيبة:

-«موسيقاي المفضلة وأموري الخاصة لم تعد من شأنك، لنركز على العمل»

-«لا تغضبي، أستسمحكِ عذرا»

-«لم أغضب، تحدثت بكل موضوعية، دعنا نعمل بدل تضييع الوقت في الحديث عن اهتماماتنا»

أخرجت من حقيبتها دفترا وقلما وسط نظرات القابع أمامها والذي أحس أنها منفعلة جدا بسببه.

بعد أن اعتدلت في جلستها أردفت:

-«أبهرني بقصة حياتك التي تريد تحويلها لعمل أدبي»

أجابها بعد أن اعتدل هو الآخر:

-«حسنا، لنقل أن حياتي مرت بثلاث مراحل، طفولة فمراهقة فشباب»

-«فهمت، سأسجل ذلك»

-«لنبدأ بالطفولة ونترك البقية لجلسات أخرى»

-«هذا أنسب، إبدأ»

-«ها نحن ذا، الطفولة...»

توقف قليلا يتذكر ما سيقوله ثم أردف:

-«ولدت في عائلة متوسطة الدخل تحبني وتهتم بي، لم نكن نعاني أي مشاكل ولم يتشاجر والداي ولا مرة، كنت محبوبا للغاية لأنني الإبن الأكبر لتلك العائلة والجميع يعتمد علي»

بينما تمسك بثينة بالقلم لتكتب ارتجفت يداها ولم تسجل أي حرف مما قاله، كانت شاردة الذهن لأنها تعرف أن ما يقوله ضربٌ من الوهم.

بعد أن شاهدها على ذلك الحال واصل الكلام قائلا:

-«كنت أسعد طفل في العالم، قضيت أجمل طفولة قد يحلم بها بشري وكل طلباتي مجابة و...»

فجأة وضعت بثينة القلم على الطاولة بشيء من العنف ونظرت له بحدة قاطبة حاجبيها وأردفت:

-«مالذي تفعله بالضبط؟!»

-«أردت اضافة لمسات خيالية، إهدأي»

ردت عليه بنبرة حادة تعبر عن انزعاجها:

-«كف عن الكذب، كلانا نعرف أي نوع هي عائلتك»

-«ما دمتِ تعرفين فلتكتبي»

أخذت القلم مجددا وكتبت وهي تتحدث بصوت مسموع:

-«العائلة التي ولدت فيها عائلة قاسية، لا تعرف الرحمة، متوحشة، سيئة، باردة، لا تمت للأسرة بصلة، يعاملونك على أنك فرد دخيل عليهم ولا يحبونك»

إبتسم لها بتكلف وقال:

-«لأنني لقيط...»

قاطعته قائلة:

-«أخبرتك سابقا أن لا تقول هذه الكلمة عن نفسك، لستَ كذلك، هذا ليس خطأك، بل خطأ والدتك، هي التي يجب أن تُحاسب لا أنت»

رد عليها بنوع من الاستهزاء:

-«لا أحد سيناديها باللقيطة ويسخر منها لأنها ليست كذلك، أنا هو اللقيط، أنا من يسخر مني الطلاب في المدارس وأنا من يعايرني الناس بهذا اللفظ غرض استفزازي، وأيضا أنا من تعرض للنبذ في عائلته، أنا الملام الوحيد لأنني لقيط»

بسبب الكلمات البائسة التي خرجت من بين شفاهه فقدت بثينة السيطرة على أحاسيسها التي لجمتها داخل صدرها غصبا واغرورقت عيناها.

بعد فترة قال إسلام:

-«أكملي الكتابة، تزوجت والدتي وأنا ذو السنتين وأنجبت إخوة غيري، وطوال الوقت كنت الفرد المهمش في العائلة وخاصة من زوج أمي، كان يعامل جميع إخوتي أفضل مني، لم أعرف حنان الأب منه قط، ولا حتى حنان الأمومة من أمي، هي تعتبرني مجرد خطأ ندمت عليه لحد اللحظة»

نطقت الأخرى بحشرجة:

-«توقف رجاءا»

لكنه تجاهل توسلها واستأنف كلامه قائلا:

-«الوحيد الذي كان يحبني هو خالي وأنتِ تعلمين ذلك، لطالما كنت أحكي لكِ عن مغامراتي معه، خاصة أنه لا يملك أطفالا لذا اعتبرني طفله...»

توقف قليلا ثم أكمل بحشرجة:

-«أمي ليست امرأة جيدة يا بثينة، ليست كذلك البتة، رغم تغيرها في الحاضر لكن ماضيها لا يقل وساخة عن ممثلات الإباحية»

أجابته بثينة بعد أن طفح بها الكيل:

-«توقف رجاءًا، كف عن وصف نفسك ووالدتك بألفاظ مهينة»

-«متى كانت الحقيقة إهانات؟»

-«بغض النظر عن أنها حقائق، لكن هناك مثل يقول: العالم كله ضدك فلا تكن أنت أيضا ضد نفسك»

-«ليتني أقدر»

نظر من حوله باحثا عن قنينة ماء يروي بها عطشه ولم يجد، لكن بثينة أخرجت قنينة من حقيبتها وقدمتها له فالتقطها وشربها.

بعد أن روى ضمأه أردف:

-«سأموت ولا أحد يهتم، هذا أكثر ما يجرح مشاعري، أنا نكرة، مجرد نكره منبوذ عديم الفائدة لن يجد حتى من يبكي في جنازته»

تمزقت نياط قلب الأخرى وهي تستمع لكلامه المدمي للفؤاد، أرادت أن تصرخ عاليا بأنها ستحزن لأجله وتبكي عليه لكن هيهات فقلبها اعتاد على البكاء في صمت منذ انفصالهما.

بعد أن وضع القنينة على الطاولة قام من كرسيه وأردف:

-«سأذهب لدورة المياه، لن أتأخر»

أومأت له بثينة أن نعم فسار عدة خطوات مبتعدا، وبينما تراقبه رأته يتوقف فجأة ويضع يده على رأسه ويترنح يمينا يسارا كما لو أنه سيسقط، أسرعت إليه وقبل أن تبلغه تهاوى أرضًا بعد أن فقد توازنه مما جعلها تشعر بالقلق.

جرته من ذراعه وقادته نحو المقعد ولحسن حظها انه ما يزال محتفظا ببعض وعيه، سكبت الماء على وجهه وتفحصت نبضه وتنفسه فوجدت أنه يزفر بصعوبة فقالت بقلق:

-«سأتصل بالإسعاف»

حملت هاتفها فوجدته قد انطفأ تِبعا لنفاذ بطاريته فضربت جبهتها بندم وقالت:

-«دائما أنسى شحن هاتفي فينطفئ علي في منتصف الطريق»

لم يكن بيدها حل سوى إخراج هاتفه من جيبه ففعلت ذلك ولكنها انصدمت حين شغلت الشاشة ورأت صورتهما معًا خلفية للهاتف، حينها تجمدت ملامح وجهها وشردت بذهنها لتلك الذكرى لهما معا حين التقطا الصورة.

فجأة رأت يده ترتفع مرتجفة وتختطف منها الهاتف بعد أن استعاد وعيه تقريبا ونطق بلعثمة:

-«أنا بخير، يمكنكِ المغادرة، كنت سأغادر على كل حال»

إغرورقت عيناها وقالت بحشرجة تمزق صدرها:

-«كف عن الكذب على نفسك، أنت تحتضر، لست بخير»

إبتسم لها بينما يتمزق ألما وقال:

-«أشعر بالسعادة، في النهاية يبدو أنني أملك شخصا يحزن علي إن مت»

إستفزها كلامه المنفر وكانت ستضربه لولا أنها رأفت به بسبب مرضه لذا صمتت وبقيت بجانبه تتفحص تنفسه ووعيه إلى أن استعاده كليا وعاد كل منهما لبيته بعد أن أنهيا كتابة ملخص أول جزء من الرواية.

بينما تفتش بثينة في خزانتها عثرت على بطاقة ذاكرة قديمة منسية بين الأغراض فوضعتها في هاتفها وتفقدت محتواها، كان بالفعل ما تخشاه، كانت صورا قديمة لها مع حبيبها السابق ويبدو أن الزمن عفى عنها فانطوت في طي النسيان وهُمشت في درج الخزانة القديم المُغبر.

أخذت تقلب الصور واحدة تلو الأخرى نافخة خديها بالهواء من تشوش المشاعر التي تعتريها، حزن وحنين وغضب وألم، كان هذا ما تشعر به، نعم كله دفعة واحدة.

وضعت الهاتف جانبا وضمت ساقيها إليها بحزن وأسى وتذكرت حادث اليوم عندما رأت صورتهما معا خلفية لهاتفه فقالت بشيء من الاشمئزاز:

-«ممثل بارع، لقد تعمد وضعها لكي أراها وأظن أنه ما يزال متيما بي، ألاعيبه صارت مكشوفة، لن أنخدع مجددا»
.
بعد أن أيقنت حقيقة الوضع نهضت من الأرض وتوجهت للمطبخ لتعد العشاء بدلا عن والدتها فهي تحب فعل ذلك بين الفينة والأخرى لتشغل نفسها عن التفكير فيما يحزنها.

بعد أن عادت لغرفتها جلست على سريرها بجانب قطها الأسود المحبوب ثم أخذت حاسوبها ووضعته على ساقيها لتكتب عليه آخر بنات أفكارها والتي ابتدأتها بـ: «يوم يأتي وآخر يمر، دقيقة تمضي وتنقص معها حبة رمل من عداد حياتنا القصير الذي يشبه الساعة الرملية في نمطه، كلما نزلت حبة نقص حجم الجزء العلوي منها، لا أحد منا يعرف كم سنعيش، وفي أي وضعية سنموت، وهل سنترك أثرا في الحياة نخلد به ويتذكرنا به الناس؟!...»

بعد أن راجعت ما كتبته شعرت بعدم الرضى عنه فقالت في نفسها:

-«نفسيتي السيئة تسلب تركيزي لذا سأعدل عليها لاحقا حين أتحسن وأنشرها، صعب حقا أن أكتب شيئا جيدا تحت الضغط لذا سأكتفي بحفظها في المسودة»

بعد أن فعلت ذلك توجهت لمنصة الواتباد خاصتها وكتبت منشورا فحواه: «مرحبا أيها المتابعون اللطفاء، اليوم لدي لكم سؤال جميل، ماذا لو أن الطبيب أخبركم أن معكم مرضا قاتلا لا سمح الله ولم يبقى الكثير لانتهاء حياتكم فماذا ستفعلون؟!»

إنتظرت قليلا فوصلتها العديد من الردود التي جعلتها تضحك غصبا عنها مثل:

-أحرق نقودي حتى لا تأخذها أختي.
-أذهب للأشخاص الذين أكرههم وأمسح الأرض بكرامتهم شتما وضربا دون أن أقلق من التعفن في السجن فأنا سأموت قبل المحاكمة دون أدنى شك.
-سأخرج كل المال الذي معي وأضعه في حوض الاستحمام وأستحم فيه كما يحصل في الأفلام.
-سأسافر حول العالم.
-سأشتري كل عصافير العالم وأحررها.
-سأخبر عمتي أنها أفعى سامة وأنني لا أطيقها وأنام مرتاحة.

لكن من بين كل تلك التعليقات لفت انتباهها تعليق يقول: «سأطلب من كاتبتي المفضلة أن تكتب رواية عن قصة حياتي وهكذا سأشعر أنني خالد للأبد»

إبتسمت تلقائيا من رسالته رغم أنها حزينة بنفس القدر ثم توجهت للخاص وكلمته برسالة نصية كتبت فيها: «إسلام! أخبرني هل تريد فعل شيء معين قبل أن تغادر؟»

وفي نفس اللحظة رد عليها: «تقصدين قبل أن أموت؟ لا داعي لتغيير المصطلحات، قوليها بصراحة فالأمر لا يجرحني»

قطبت حاجبيها بانزعاج وردت: «أيًّا يكن، ما إجابتك؟»

كتب لها: «أن تُنهي روايتي قبل أن أموت»

ردت عليه: «أفٍ منك، أقصد أمرا آخر لطالما أردت فعله ولكنك لم تستطع ذلك بسبب انشغالك بالحياة، هيا خصص وقتك لفعل كل ما تتمناه»

كان إسلام ممسكا بالهاتف مُرتجف اليدين يحاول كبت مشاعره التي على وشك الانفجار، كتب على الهاتف عبارة: «أريد قضاء الوقت معك» ولكنه حذفها في ذات اللحظة حين أدرك أن ما يفعله خاطئ وأن إظهار مشاعره في هذه اللحظة بالذات سيجعلها تنفر منه وتنزعج.

فكر لبعض الوقت وكتب: «السفر، تناول مأكولات جديدة، الذهاب لجبل عالٍ والصراخ بأعلى صوت، رؤية الثلج، النوم في حقل مليء بالزهور، وأخيرا قضاء الوقت مع كاتبتي المفضلة»

أجابته: «جميل، إنها أمور لا نفعلها كل يوم، ما رأيك أن نبدأ بتنفيذها»

رد عليها قائلا: «نحن الاثنان؟!»

كتبت له: «بلى، أنا أيضا أريد عيش اللحظة، سأتخيل أنني سأغادر خلال فترة محددة وسأعطي نفسي بعض الوقت لأحقق بعض الأمنيات البسيطة»

رد عليها: «فهمت، لنفعلها»

ثم وضع هاتفه جانبا وابتسم وأكمل العمل الذي كان يقوم به، في نفس الوقت وضعت بثينة هاتفها على صدرها معانقة إياه وابتسمت ببلاهة، لكنها غفلت عن أمر مهم للأسف، تلك المشاعر التي عانت لدفنها خلال 3 سنوات عادت للسطح جاعلة إياها تبتسم بطريقة سخيفة وتعود للتفكير بالحب مجددا، كانت تقع شيئا فشيئا دون أن تدرك ذلك.

مر أسبوع كامل منذ آخر لقاء لهما وكان كل منهما منهمكا بأمور حياته، وفي اليوم الثامن بالتحديد أرسلت بثينة لإسلام موقعا جغرافيا على شكل رسالة نصية فذهب إلى هناك ليلتقي بها وتفاجأ أن الموقع مطعم خاص بالأكلات الآسيوية.

بعد أن دخل هم يبحث عنها فوجدها متموضعة في طاولة بعيدة عن الناس كالعادة والهدوء يعم المكان فجلس معها بعد أن ألقى عليها التحية وأردف:

-«مطعم آسيوي؟!»

إبتسمت له وأردفت:

-«ألم تقل أنك تريد تجربة نوع جديد من الطعام؟»

-«نعم لكن آسيوي؟! أنا لست مهووسا بالآسيويين مثلك»

قطبت حاجبيها بانزعاج وأردفت:

-«لقد سهرت طوال الليل أبحث لك عن هذا المكان لتتمكن من تذوق طعام مختلف ولكنك تخيبني بهذا الكلام»

تفاجأ الآخر من كلامها وقال بتعجب:

-«فعلتِ كل ذلك لأجلي؟!»

تنحنحت الأخرى بتوتر بعد أن أدركت غرابة الموقف ثم ابتسمت بتكلف وقالت:

-«سأطلب لنا الطعام»

أومأ لها برأسه أن نعم ثم قال:

-«حسنا، أطلبي لنا ما تريدين وأنا سأدفع»

ذهبت بثينة لطاولة الخدمات وسجلت طلبها على الحاسوب وأعطاها الموظف التذكرة ثم جلست مكانها، بعد دقائق جاءت النادلة مع أطباق الطعام التي تم طلبها وتمنت لهما وجبة طيبة ثم غادرت.

نظرت بثينة للطعام واستنشقت رائحته ثم قالت مشيرة للمائدة:

-«أهلا وسهلا بك في المطبخ الآسيوي، لدينا من المطبخ الكوري "كيمباب" ومن المطبخ الياباني "التاكوياكي" أما على التحلية فهناك لمسة صينية معروفة بطبق "صينية الفراولات" إضافة لخبز اليقطين اللذيذ»

نظر الآخر للأكل بطرف عينه وبدا شكله شهيا ورائحته زكية ثم أردف:

-«أتمنى أن يكون طعمه كشكله، لنأكل»

أخذ كلاهما أول لقمة من الطعام وشرعا بمضغه بهدوء ثم هزا رأسيهما برضى بعد أن تمكنا من إدراك طعمه اللذيذ اللاذع.

بعد أن تناولا الطعام ودفعا الحساب استقرا في وجهتهما التالية وهي نافورة مياه صغيرة في وسط المدينة، أخذا يحدقان بها بشرود متناسيين العالم الكئيب الغامض من حولهما.

إلتفتت بثينة نحو شمالها فلمحت عن قريب صالونا للتجميل فأردفت بحماس:

-«عرفت ما علينا فعله الآن، لنقم بتغيير مظهرنا قليلا»

أجابها الآخر بتجهم:

-«في حال نسيتي الموضوع فأنا شاب، صالونات التجميل للفتيات فقط، ماذا قد أفعل هناك؟!»

-«هل جربت يوما تغيير لون شعرك أو التسريحة؟»

-«لا وألف لا، تريدين جعلي أبدو كشبان الكيبوب، أعلم ذلك»

سارت بخطوات بطيئة باتجاه صالون التجميل وأردفت دون التوقف أو النظر إليه:

-«كما تريد، إبقى هناك وأنا سأذهب وأقوم ببعض التغييرات على شكلي، ستندم حين ترى كم أصبحت جميلة»

ثنى الآخر ذراعيه بانزعاج وتجاهلها للحظات ولكنه استسلم حين أدرك أن من الممل عليه الوقوف في الشارع والانتظار هكذا لذا لحق بها ركضا وصرخ قائلا:

-«إنتظريني، لا أريد البقاء هنا»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 801
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 24

خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الأربعاء مايو 04, 2022 12:59 pm

خلِّديني: الفصل الرابع



في إحدى صالونات التجميل متوسطة الخدمات وعلى أحد الكراسي تجلس بثينة مُقابلة للمرآة منتظرةً أن تبدأ مصففة الشعر عملها وتعطيها المظهر الذي تتوق إليه.

على بعد عدة أمتار وعلى كراسي الانتظار بالضبط يجلس إسلام واضعا يده على خده بتململ بينما يحدق بالمكان من حوله فتارة يرى الزبائن يدخلون ويخرجون وتارة يلقي نظرة على هاتفه وتارة يرى كيف يجري العمل داخل الصالون.

ساعات من الانتظار جعلته يتثائب بملل ويكاد يغفو لكن أيقظته صرخة واحدة من بثينة وهي تقفز أمامه بحماس قائلة:

-«أنظر من هنا، إنها الفاتنة الحلوة بثينة علي»

في البداية أفزعته فانتفض بقوة ولكن سرعان ما تحولت ملامحه للدهشة وهو يحدق بها، لقد صبغت شعرها الأسود الطويل بالأشقر كليا لتبدو كدمية شقراء جميلة.

واصلت اللعب بشعرها أمامه وهي مبتسمة ثم أردفت:

-«لم أجرب الأشقر في حياتي، لكن بعد تجربته أظن أنه يناسبني دون منازع، أخبرني أنت ما رأيك؟»

أجابها بينما يُتأتئ ويتلعثم:

-«عادي، أقصد لا ألاحظ فرقا كبير، مازلت أستطيع التعرف عليكِ ببساطة»

قطبت حاجبيها ونبست بينما تقلب شفتها السفلية بانزعاج:

-«كيف لا تلاحظ فرقا وقد كدتُ لا أتعرف على نفسي! مالذي يدور ببالك؟! هل حقا أبدو عادية!؟»

-«نعم، لنذهب»

توجه عدة خطوات نحو الباب لكنها شدته من ذراعه موقفة إياه فانتفض من الفزع واستدار نحوها، لحظات وهي ما تزال ممسكة به إلى أن أدركت ما فعلت فأفلتته ووقفت مقابلة له محاولة كبت توترها قائلة:

-«مهلا مهلا! لم نتفق أن نغادر بهذه البساطة، إنه دورك»

رد عليها بنبرة مهتزة مائلة للتوتر:

-«دوري! لكنني لا أريد تغيير أي شيء...»

قاطعته دافعة إياه ليجلس في كرسي فارغ وهو متوتر فقال:

-«حقا لا أريد»

أجابته وهي تمسك بطرف الكرسي بأصابعها وتحوم عند رأسه ذهابا وإيابا:

-«لا تقلق، ستحب نفسك كثيرا»

بعد دقائق أتت مصففة الشعر لتهتم به وقالت:

-«كيف أخدمك سيدي؟»

أجابها وهو قاطب حاجبيه:

-«لا شيء، أريد فقط المغادرة و...»

قاطعته بثينة نابسة للمصففة:

-«أنا من ستختار له، تعالي سأخبرك»

همست في أذنها فأومأت المصففة برأسها بالإيجاب ثم بدأت العمل على شعره بينما يصرخ بتذمر عليها من حين لآخر أن تكون حذرة ولا تحرق خصلاته التي يحبها ويهتم بها كثيرا.

بعد ساعات من العمل انتهت وحانت لحظة الحقيقة، فتح إسلام عينيه فانصدم بأن وجد شعره مصبوغا بالأزرق الملكي ولطم وجهه من شدة الفاجعة.

بعد أن رأت بثينة ردة الفعل تلك منه حاولت تهدئته قائلة:

-«إنه رائع عليك فلا تتشائم من نفسك»

نبس الآخر بانزعاج:

-«أزرق ملكي؟! ظننت أنكِ ستختارين لونا عاديا كالبني أو الأشقر لكن الأزرق الملكي لون مجنون! صرت أشبه الكوريين كثيرا الآن، سيناديني رفاقي بالكوري طوال الوقت وسأتعرض للتنمر بنسبة أكبر مما كنت سابقا»

فركت الأخرى رأسها بتوتر وقالت:

-«مازلت أراك لطيفا رغم ذلك»

-«لطيف! لست لطيف! اللطف طبع الإيناث، نحن الرجال علينا أن نتحلى بالخشونة والقوة»

-«حسنا آسفة»

إلتفت إسلام لمصففة الشعر وقال:

-«أصلحي الكارثة، أعيديه للون الأسود الفحمي فورا»

نبست الأخرى وهي تمضغ العلكة:

-«تم صبغ شعرك مرتين بالفعل وفي حال تم صبغه للمرة الثالثة سيتلف ويسقط وهناك احتمال أن تصبح أصلع خلال أقل من أسبوع، أنصحك بالعودة بعد شهر حين ينمو الشعر من جديد ونقوم بقص الأطراف المصبوغة»

أحنى إسلام رأسه بإحباط وغادر الصالون فلحقت به بثينة محاولة مواساته لكن بينما يسيران هطلت الأمطار بغزارة مما جعلهما يركضان ليستظلا تحت أسقف إحدى المتاجر.

بقيت بثينة تحدق بالأمطار وهي تتساقط بغزارة كالشلالات المتدفقة وأعادها هذا المنظر لذكرى قديمة لهما معًا حين التقيا تحت المطر في فترة مواعدتهما، كان ينتظرها على بعد عدة أمتار متكئا على سيارته وعندما شاهدته في ذلك المنظر الشاعري تحركت مشاعرها وتعلق قلبها به أكثر.

حتى بعد انفصالهما فما زالت تكن له كل الاحترام والمودة وتتمنى له الأفضل، وها هي ذا تبتسم تلقائيا بعد أن تذكرت تلك الذكرى الجميلة لهما.

إلتفتت للجانب فرأته واضعا يده على بطنه والأخرى على فمه وواضح أنه منهك وعلى وشك الاستفراغ والسقوط أرضًا، وضعت يدها على كتفه وسألته عن حاله مرارا وتكرارا لكنه لم يكن يسمع أو يعي أي شيء بسبب مرضه، وفجأة انطلق راكضا مترنحا نحو حمام عمومي وبقي هناك عدة دقائق مما جعلها تنتظره في الخارج بقلق.

بعد فترة طويلة من الانتظار خرج أخيرا وهو يترنح فأسرعت عنده وساعدته على المشي وهي تسأل عن حاله وكيف أصبح ويبدو أن حاله ما تزال سيئة مما جعلها تصطحبه للحافلة لتأخذه لمنزله الذي أخبرها عن عنوانه والحافلة المؤدية له.

أثناء ركوبهما الحافلة كان منهكا جدا لدرجة أنه لم يعد قادرا على الاستقامة فرمى برأسه على كتفها وهو يتنفس بعمق، ومع كل لحظة تشعر فيها بدفئ جسمه كان قلبها ينتفض خوفا وتوترا، ولرأفتها بحاله لم تنبس بشيء بل التزمت الهدوء متمنية أن تصل الحافلة بسرعة.

وصلا أخيرا لوجهتهما فأنزلته من الحافلة وهو متكئ على كتفها يشهق ويزفر بقوة ثم أدخلته منزله ووضعته على سريره، وبسرعة أحضرت له كوب ماء وحاولت جعله يشربه، لاحظت كم كان يتعرق وشعرت بخوف وقلق أكبر فأحضرت منديلا وماءا باردا ثم مسحت على جبهته بهدوء ورقة إلى أن هدأ أخيرا وغفى بعد إنهاك طويل دام لساعتين.

من شدة مللها ذهبت للتجول في المنزل وأثناء مرورها بخزانة الكتب لاحظت مجسما على شكل كرة زجاجية بداخلها ماء شفاف ولعبة صغيرة على شكل تمثال الحرية وكل ما تم خضها يتحرك البريق الذي داخلها ليبدو كالثلج المتساقط، كانت تلك هديتها له بآخر عيد ميلاد له قبل أن ينفصلا، علاقتهما لم تتجاوز السنة من عمرها لكن ذكرياتهما معا لا تعد ولا تُحصى.

لم تدرك كمية حزنها إلا عندما أحست بدمعة ساخنة تسيل على وجهها فمسحت أثرها بسرعة ونظرت لنفسها في زجاج الخزانة لترى إن كانت احمرت عينيها ثم ذهبت للمطبخ لتحضِر له شيئا مغذيا يأكله.

فتحت الثلاجة وأخرجت بعض الفراولة والموز  وهمت بغسلهما وتقطيعهما دون أن تعي أن إسلام واقف عند الباب يراقبها، وبالصدفة عطس فانتبهت له وابتسمت بتكلف وقالت:

-«ها أنت ذا! كيف أصبحت الآن؟»

أجابها بينما يدخل المطبخ مترنحًا:

-«بخير»

-«عد لسريرك وسأحضر لك الفاكهة لتأكلها وستتحسن أكثر إن شاء الله»

-«لا تعامليني وكأنني مريض حقا، أنا بخير، نوبات ورم الدماغ مؤقتة وتزول بسهولة وليست كالحمى والأمراض الأخرى طويلة الأمد»

-«لا تتفلسف علي وتتظاهر أنك طبيب نفسك، عد لسريرك»

لحظة صمت رهيبة عمت المكان مما جعل الجو مشحونا بالطاقة السلبية، بعد أن حدقا ببعضهما لفترة نبس إسلام بحزن قائلا:

-«أنتِ حتى لم تسأليني لما»

-«لم أفهم!»

-«لم تسأليني لما كذبت، ولما تركتكِ تنفصلين عني دون جدال في البداية، ولما كنت ذلك الوغد الحقير معك»

لم ترد على سؤاله بل اكتفت بتقطيع الفواكه في الطبق متجاهلة ما قاله مما جعله يتجه ناحيتها ويمسكها من كتفيها ويهزها نابسا بحشرجة:

-«لماذا لم تستمعي لجانبي من الحكاية؟ ولماذا يوم اتصلت بكِ بعد انفصالنا بسنة لأشرح لكِ ما حصل أغلقتي الهاتف في وجهي، ويوم طلبت يدك للزواج لماذا قلتي أننا لا نستطيع العيش في عائلة واحدة فنحن مختلفان؟»

أبعدت ذراعيه عنها بهدوء مع احتفاظها بملامح وجه باردة وقالت:

-«رجاءا لا تخلط العمل بعلاقتنا الشخصية، نحن هنا لنعمل، رجاءا»

-«أفهم ذلك لكن...أريد أجوبة»

-«ولما تريدها؟ هل لديك أمل أن نعود؟ هل فكرت يوما بأننا بعد ثلاث سنوات من الفراق سنعود ونحب بعضنا كما لو أن لا شيء حدث؟ لا أعرف بشأنك لكن من ناحيتي فثلاث سنوات كافية لمحو الحب من جذوره مهما كان عميقا»

صدمه كلامها فاستسلم للأمر الواقع وقال بهدوء:

-«لا لم أقل ذلك، معكِ حق في كل ما قلتي، لقد استأصلنا الحب من جذوره ولا داعي لفتح الموضوع مجددا، كنت فضوليا تجاه الأمر لكن أظن أنه غير مهم»

ثم صمت لفترة وقال:

-«دعي عنكِ الفواكه وتعالي، لننهي ما بدأناه، لنكتب ثاني جزء من روايتي»

-«وهل أنت بخير؟!»

-«أجل»

لحقت به ليجلسا على السرير وأخرجت دفترها وقلمها من حقيبتها ثم أردفت:

-«إحكي لي ما بجعبتك وسأسجل رؤوس أقلام فقط»

-«لقد توقفنا في فترة المراهقة، حسنا، هناك الكثير لقوله حول الأمر، مراهقتي كانت صعبة، إنها بداية إدراكي للعالم، تخيلي أن تفتحي عينيكِ على العالم لتدركي أن والدتكِ كانت فاسقة في السابق وأنجبتكِ من خلال الفُسق، ماذا كانت لتكون ردة فعلك سوى الصدمة والجنون، وكانت كذلك بالنسبة لي، ترعرعت في ظروف مرعبة، حقائق صادمة، تهميش، تفضيل لإخوتي علي، تنمر من قبل الجميع بسبب ذنب لم أُذنبه، كل هذه الأمور كانت لتجعل مني مريضا نفسيا»

بينما الأخرى تستمع له كان قلبها يتمزق عليه خاصة مع إحساسها بالقهر في نبرة صوته، ثم أكمل الكلام قائلا:

-«بحكم البيئة الظالمة التي تربيت فيها فقد كنت أغرق حرفيا، قررت أن أعيش كما أريد وأحذف مصطلح العائلة من حياتي، لقد بدأت التدخين في سن الثالثة عشرة وتعاطيت الكحول في سن الخامسة عشرة، وأحيانا كثيرة كنت أفكر بتدخين الحشيش واللجوء للمخدرات والمواد الممنوعة قانونيا لإسكات ضرمة الألم في داخلي، هذا لو أتينا للجانب الصحي والنفسي، أما بالنسبة للجانب المالي فقد كنت عالة على المجتمع بالمعنى الحرفي، لقد اخترت لحياتي نمطا فاشلا واكتفيت بأخذ المال من والداي والنوم طوال اليوم، بينما الليل كنت أقضيه في الحانات الليلية والحفلات الصاخبة أحتفل مع الفاسقين وأتعاطى الكحول لحد الثمالة...»

توقف عن الكلام بعد أن رأى كمية الدموع التي بللت خد بثينة بالفعل فابتسم وقال:

-«لا تبكي»

-«أنا حساسة مؤخرا، يبدو الأمر كمسلسل حزين»

إنفجر ضاحكا وقال:

-«ألم تقولي أن قصة حياتي قد لا تكون بالأمر الجلل لكتابة رواية عنها؟»

-«وما أدراني بكل هذه التفاصيل! أكمل أكمل»

-«بالنسبة لجانبي العاطفي فكان أسوأ بكثير مما توقعين، لقد أمضيت فترة مراهقتي أقفز من فتاة لفتاة، كنت أواعد عشرين فتاةً دفعة واحدة وأيٌ منهن لم تكتشف خداعي لها، أحيانا كنت أستغلهن عاطفيا وماليا بحيث أخبرهن بأنني بحاجة للمال لحالة طارئة ثم آخذه وأختفي دون رجعة، نعم لهذه الدرجة كنت حقيرا ومستغل»

عند هذه الجزئية شعرت بثينة بعدم الراحة وصارت يدها ترتجف بينما تسجل على الدفتر، حقا من المزعج معرفة الماضي العاطفي للشخص الذي أحبته بشغف، حتى لو كانا قد انفصلا وعفى الزمن عن علاقتهما لكن الأمر ما يزال مُربكا ومؤلم.

ثم أكمل إسلام الكلام قائلا:

-«ثم تعرفت على أول حب لي، كانت مراهقة تصغرني بسنتين، رغم انحرافي وعدم نضوجي لكنها أعادتني نوعا ما للطريق الصحيح، لقد انتشلتني من الوحل بغمضة عين وأعادت لي إحساس أنني بشر طبيعي يستحق أن يقدر نفسه ويثق بها ويعيش باستقامة، أيامي معها كانت لحظات من النعيم، أغدقتني بالحب والحنان الذي لم أحضى به من أهلي، لكن...»

قاطعته وهي تغلق الدفتر بقوة قائلةً بصوت حاد:

-«لنتوقف هنا قليلا ونعد للجزئية السابقة، هل حقا تلاعبت بمشاعر الفتيات واستغللتهن عاطفيا وماليا؟!»

لم يكن هذا الأمر هو ما أغضبها بل حديثه عن حبه الأول، أثناء علاقتهما كانت تعاني ملايين المشاكل بسببها فقد كانت تشك دائما أنه مازال يحبها كونها أول علاقة مرت بحياته، ولطالما أحست بغيرة قاتلة وشَكٍ وخاصمته لأيام لمجرد ذكرها أو الكلام عنها.

تفاجأ الآخر من ردة فعلها فقطب حاجبيه وقال:

-«نحن نتحدث عن السابق، السابق يا فتاة، السابق»

ردت عليه بغضب:

-«الماضي يبقى جزءا من حياتك ويجب عليك أن لا تفتخر به بل أن تدفنه في طي النسيان للأبد»

-«لما كل هذا الغضب بخصوص الماضي خاصتي! ما بالك! لقد تجاوزنا تلك النقطة بالفعل فلما تعودين إليها الآن؟!»

-«لأن هذا ما يجب فعله، علينا تغيير المنكر بلساننا»

-«أي تغيير يا فتاة! القصة مر عليها 9 سنوات»

-«لا يهمني حتى لو انطوى عليها دهر كامل، ما يزال ما فعلته خطئًا فادحا لا يمكنني التساهل...»

قاطعهما رنين جرس الباب فالتزما الهدوء ونظرا لبعضهما بصدمة ثم توجه إسلام نحو الباب ونظر عبر الفتحة فانصدم بوجود أمه واقفة عند الباب وركض نحو بثينة يتكلم هامسا:

-«إنها والدتي»

-«يا إلهي! ستظن السوء بنا»

-«إختبئي في الحمام بسرعة»

أدخلها للحمام وأغلق الباب ثم فتح على والدته فدخلت المنزل بكل كبرياء ومشية واثقة فرحب بها ولكنها لم تهتم البتة وقالت:

-«لما تغيبت عن العمل اليوم دون إذن؟»

تذكر أن لديه عملًا وكان من المفروض أن يتجه هناك قبل ساعات لكن بسبب مرضه أتت به بثينة للمنزل فحاول تدارك الأمر قائلا:

-«آه! واجهتني ظروف، سأذهب فورا»

-«هل أنت وحدك بالمنزل؟»

-«بلى»

-«وكأنني سمعتك تتحدث حين كنت عند الباب»

-«أوه! كنت أتحدث على الهاتف»

-«حسنا»

نظرت إليه من رأسه لأخمص قدميه بنظرة باردة وقالت:

-«إهتم بصحتك قليلا فقد فقدت الكثير من الوزن، ألا تأكل أبدا؟!»

-«بسبب العمل يا أمي، بسبب العمل»

-«أي عمل؟! أنت بالعادة تتغيب كثيرا فمالداعي لهذا العذر الواه»

-«حسنا حسنا، أعاني من فقدان الشهية لا غير»

-«زر طبيبا ليعطيك دواءا للشهية، لا تبقى هكذا فمنظرك مرعب مع فقدان الوزن، من الأساس كنت نحيلا والآن صرت أشبه بنكاشة أسنان»

-«حاضر أمي»

-«وأيضا صبغة شعرك جميلة»

-«شكرا!»

إستدارت وغادرت وحين أغلقت الباب خلفها خرجت بثينة من الحمام وحدقت به بحزن، كانت لديها الكثير من الأسئلة التي تريد توجيهها له بخصوص والدته ولكن غضبها منه منعها من فتح فمها بحرف.

قطبت حاجبيها بانزعاج ثم أردفت:

-«إنتهى عملي معك اليوم، أراك في يوم آخر»

-«حسنا، إهتمي بنفسك، أنا أيضا سأذهب للعمل فورا فغيابي سيؤثر على الأوضاع سلبا»

لم ترد عليه بل وضعت أغراضها في حقيبتها وغادرت مسرعة وبعقلها ألف سؤال وسؤال، بدا الأمر محيرا بالنسبة لها فمن فحوى كلامه مع والدته يبدو أنها لا تعلم بشأن مرضه البتة، ربما لم يخبرها وربما يخطط لإخبارها في القريب العاجل، هذا أمر لا يجب عليها التدخل فيه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
 
خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» فِي السَّمَاء!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
» القِطُّ المَنْبُوذ!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
» لَعْنَةُ المِرْآة!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
» المِثْلِيَّة الجِنْسِيَّة!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
❤ منتدى بثينة علي ❤ :: ❤مؤلفاتي❤ :: ❤روايات عربية❤-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: