❤ منتدى بثينة علي ❤
أهلا و سهلا بكل من زار منتدانا ????????

بثينة علي ترحب بكم و تتمنى لكم قراءة ممتع مع أجمل الروايات الكورية ????
❤ منتدى بثينة علي ❤
أهلا و سهلا بكل من زار منتدانا ????????

بثينة علي ترحب بكم و تتمنى لكم قراءة ممتع مع أجمل الروايات الكورية ????
❤ منتدى بثينة علي ❤
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

❤ أهلا بكم في عالم رواياتي عالم بثينة علي ❤
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوع
 

 ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الأربعاء مايو 04, 2022 5:09 pm

ضُرمة الشباب: المقدمة



مرحبا بالجميع

آمل أنكم بخير وصحة وعافية

ننتقل لمشاركتي الثانية بمسابقة النوفيلا الحرة 2022 وهي من فئة المغامرة رقم الفكرة 60

وبطلتها ستكون صديقتي الجميلة اللطيفة هبوشة 😆

تفقدوا حساب المسابقة من هنا OpenNovellaContestAR

وفي حال كان أحدكم يتسائل ما معنى "ضُرمة" فهي الجمرة 🌚

تمنوا لي التوفيق رفاق 😎

ملاحظة هامة : روايات الحب هي مجرد روايات خيالية غرضها الترفيه فقط والحب الحقيقي غير موجود والشخص المخلص الذي لا يخون غير حقيقي البتة لذا لا تنخدعوا بالخزعبلات التي ترونها في رواياتي أو أي روايات أخرى لأن الواقع والروايات مختلفان تماااااااما

الغلاف من تصميم : designsoldiers

نشرت يوم : 12 مارس 2022

بثينة علي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الأربعاء مايو 04, 2022 5:17 pm

ضُرمة الشَّباب: الفصل الأول



النجاح أجمل شعور بالحياة، وهو البداية التي يحقّق فيها الإنسان طموحه ليصل إلى مستقبل مشرق، ويبدأ النجاح بحلم محفوف بالأمل، لكن هذا الحلم يلزمه العمل والسعي والشغف والطموح الكبير، فالنجاح ليس مجرد رغبة وإنما هو سعي وأحلام يتم ترجمتها إلى واقع.

وهذا ما فعلته بطلة روايتنا الشابة، لقد سعت جاهدة لسنوات طويلة لتحقق ذلك الحلم بأن تصبح جراحة قلب ناجحة ومعروفة، لكن هل كان هذا الحلم حلمها؟!

تبدأ قصتنا بهبة، الشابة الليبية ذات التسع والعشرين عاما، والتي تعيش حياة روتينية مركزها العمل، وهذا ما يتكرر كل يوم.

إستيقظت بطلتنا في الصباح على صوت المنبه ثم تجهزت للذهاب لعملها.

أنهت ما همت به وتوجهت للثلاجة فأخذت زجاجة عصير تجرعتها بسرعة ووالدتها تراقبها فتحدثت قائلة:

-«هبة، توقفي عن شرب العصير فقط فوزنكِ يتضائل كل يوم»

أجابتها الأخرى وهي تقطب حاجبيها:

-«وماذا آكل؟»

-«خبز مثلا أو خضروات أو حلويات»

-«لا شهية لي، ثم من أخبركِ بأن العصير غير مغذي ويسبب خسارة الوزن؟! بالعكس فيه مكونات طبيعية وأفضل من العجائن والسكريات»

تقدمت منها والدتها وابتسمت بخبث وهي تمسك يدها ثم قالت:

-«أنتِ الخبيرة، أيتها الجراحة الرائعة»

إبتسمت هبة رغما عنها لكلام أمها إلى أن دخلت أختها الأكبر منها (منال) المطبخ وأخذت قطعة كعك كبيرة من الثلاجة فصرخت الأم عليها:

-«أيتها السمينة، توقفي عن الأكل قبل أن تنفجري»

أجابتها منال بانزعاج:

-«لست سمينة جدا»

-«هذا ما يبدو لك، لا تنفعين لشيء سوى الأكل، أنظري لأختك هبة، هي الآن طبيبة جراحة وأنتِ عاطلة عن العمل»

-«ألم نكن نتحدث عن الأكل؟»

-«ضعيه من يدك وانصرفي، ليتني أنجبت هبة فحسب فهي الوحيدة التي شرفت العائلة، حتى ولو أكلَت كثيرا فهذا من حقها لأنها تنتج أكثر مما تستهلك»

إنزعجت منال من كلامها ورغم ذلك مازالت تمسك بالكعك ثم أخذته وهربت لغرفتها مما جعل الأم تهمس بتذمر:

-«يا الله أعني على هذه الفتاة»

ابتسمت هبة بسخرية وقالت:

-«أماه، إهدأي»

أجابتها الأم وهي تربت على ظهرها وتبتسم:

-«لا يهم، لدي أنتِ، أنا ووالدك حقا فخوران بك»

كان هذا هو الحال دائما، هبة هي من رفعت رأس العائلة وحققت طموح والديها بدراستها لجراحة القلب وتخرجها بامتياز والأمثال تضرب فيها بالتفوق والنجاح. وكأي شخص لديه وظيفة صعبة فهي تعيش ضغوطات شديدة في العمل وتحتاج التركيز والاجتهاد.

توجهت بسيارتها نحو مقر عملها وبمجرد دخولها باشرت جراحة طارئة على القلب بحيث أسرعت نحو غرفة العمليات وارتدت الثياب المخصصة وعقمت نفسها ثم دخلت مع الطاقم والممرضين لقاعة العمليات.

إستغرقت العملية ساعات وفي الأخير تكللت بالنجاح فخرجت هبة منتصرة بعد حرب ضروس ونالت مدح الجميع.

بعد انتهاء دوامها المسائي توجهت للموقف لتحضر سيارتها فوجدت خطيبها (محمد) ينتظرها ومعه دب أحمر وباقة ورد فابتسمت له وقالت:

-«يال المفاجأة! مالمناسبة؟!»

أجابها وهو يتقدم منها ببطئ محافظا على ابتسامته:

-«إنه عيد المرأة»

قالت بينما تفرك مؤخرة رأسها:

-«نسيت!»

-«سأدعوكِ للعشاء»

-«موافقة، أنا جائعة، اليوم كان شاقا»

ذهبا للمطعم ففاجأها بحجز غرفة خاصة مزينة بالشموع والورود الحمراء وطاولة مطلة على منظر رائع للمدينة وأنوارها المبهجة عبر الزجاج.

نظرت هبة من حولها بانبهار وقالت:

-«مفاجآتك لا تنتهي، أشكرك»

قال بينما يخرج شيئا من جيبه:

-«وسأهتم بك أكثر حين نتزوج، خطيبتي الغالية، أحبك»

بينما يقول ذلك أظهر أمامها علبة فيها خاتم ماسي مما صدمها أكثر، خطيبها شخص ثري وهذا عادي ولكن هذا ليس ما أقلقها، بل كلمة (أحبك) التي خرجت من بين شفتيه بكل صدق ورومنسية.

والدا هبة وخطيبها هما صديقان مقربان وقد اتفقا على زواجهما ولأن كليهما لا يملكان شيئا ليخسراه وافقا. وبمرور الوقت كان محمد يقع في شراكها أكثر ويتعلق بها لدرجة أنه أصبح غير قادر على البقاء يوما بدون رؤيتها، هذا هو ما تحلم به كل فتاة، الحب الصادق والإخلاص، لكن هبة لم تحلم بذلك، ببساطة لم تحلم بأي شيء، كانت فقط تعيش كالآلة بتوجيهات من والديها ولا تعصي لهما أمرَا.

مرت الأيام، وبينما هبة في المستشفى تقوم بعملها كطبيبة في قاعة الفحص أتت زميلة لها من أيام الثانوية تدعى (ريماس).

حين نظرت الاثنتين لبعضهما تفاجأتا وتعانقتا ثم قالت هبة بسعادة:

-«يالها من مفاجأة! كم أصبحتِ جميلة!»

أجابتها الأخرى مازحةً:

-«أعلم، كلما كبرت كلما أصبحت فاتنة أكثر»

قهقهت هبة بصوت خافت وقالت:

-«لكن ليس مثلي، هل أبدو كما لو أنه يفصل بيني وبين الثلاثينات عام واحد؟»

-«لا البتة»

-«ما سبب قدومك؟»

-«أريد دواءا للإلتهابات الرئوية فصدري يحتضر من كمية الهواء البارد الذي أستنشقه يوميا»

-«اهتمي بصحتك»

-«ليس بيدي فضُرمة الشباب التي بداخلي لا تخبو»

-«ما ضرمة الشباب التي تتحدثين عنها الآن! صحتك أهم»

-«لم أخبركِ عن هوايتي الحالية، أنا مستكشفة»

-«تستكشفين الذهب والألماس في الكهوف!؟»

أجابتها الأخرى بعد أن ضحكت بصوت خافت:

-«لا، أستكشف الغابات والجبال والأماكن المجهولة، لدي مدونة في اليوتيوب عن كل المناطق التي زرتها وكل شيء موثق بالفيديو»

قطبت هبة حاجبيها وقالت:

-«هل هناك أحد مهتم لذلك!؟»

-«الكثيرون، ألقِ نظرة»

أرتها مدونتها على يوتيوب وعرضت تسجيل فيديو من آخر رحلة ذهبت فيها لاستكشاف أحد الكهوف مع رفاقها وكان المكان مخيفا وخطرا.

بعد دقائق من المشاهدة قالت هبة:

-«وأين نمتم؟ وما معاشكم؟»

-«نمنا في خيمة، أما الطعام والمشرب فنحن نخزن منه قبل ذهابنا ونحاول الاقتصاد قدر الإمكان ليكفينا طوال الرحلة، نأخذ أيضا آلات التصوير ومعدات التسلق والحفر والسباحة أحيانا وعلب الإسعافات»

اكتفت هبة من المشاهدة وأبعدت الهاتف عن وجهها بانزعاج وقالت:

-«يكفي، لا أعلم من المجنون الذي يترك منزله الدافئ الآمن ويتوجه لعيش حياة الخطر والتشريد والجوع»

تنحنحت ريماس وهي قاطبة حاجبيها وقالت:

-«ذاك المجنون هو أنا»

قهقهت هبة ثم قالت:

-«نعم أنتِ مجنونة، مالذي يعجبك في تلك الحياة؟»

-«إنها ممتعة، قبل أن أعرف هذه الحياة كنت مجرد موظفة استقبال في الحضانة تعيش حياةً روتينية مملة تتكرر كل يوم لدرجة الاختناق، لكن ما إن جربت حياة الاستكشاف حتى أدمنتها وصارت كل تلك المواقف الممتعة والخطرة تسعدني»

-«نحن كبشر علينا الخوف من الخطر لا البحث عنه»

-«أتجربين؟ أراهن أنكِ ستدمنين حياة الاستكشاف مثلي بمجرد أن تتذوقي جرعة منها»

-«وأنا أراهن بالعكس»

-«تراهن الجميع قبلك وخسروا، شاركينا رحلتنا القادمة»

-«موافقة، إستعدي لخسارة الرهان»

بعد أسبوع من تلك الحادثة، أخذت هبة إجازة من عملها وجهزت نفسها للانطلاق في رحلة الاستكشاف الأولى لها في حياتها.

وضعت في حقيبتها حاسوبها وهاتفها لتتفقد الإنترنت حين تشعر بالملل، فمن وجهة نظرها تلك الرحلة حافلة به.

أخذت معها أيضا منتجات العناية بالبشرة ومستحضرات تجميلها البسيطة وأطعمة كثيرة كاللحوم والفواكه والمكسرات بأنواعها لدرجة أنها اجتاجت حقيبة أخرى فقط لوضع هذه الأغراض الغير مهمة.

وأخيرا الملابس والأحذية المريحة ثم انطلقت بسيارتها لمحطة القطار لتقابل صديقتها ريماس فوجدت معها أربع أشخاص آخرين اثنان منهم شباب واثنتين بنات.

تقدمت هبة منهم وهي تجر حقيبتها وابتسمت بغرور وقالت:

-«ها قد وصلت أجمل الجميلات»

أجابتها ريماس وهي تحدق بالحقيبة:

-«أهلا بالفاتنة، لكن ما كل ذلك؟! نحن ذاهبون لرحلة استكشافية وليس للسياحة»

-«لا فرق بينهما»

-«أعرفكِ على رفاقي، هذه شهد»

رفعت شهد يدها ملوحة في الهواء وأردفت:

-«أهلا»

ثم نبست ريماس:

-«وهذه نبأ»

ابتسمت نبأ وقالت:

-«تشرفت بك»

ثم أضافت ريماس:

-«وهذان الشابان هما عبد الإله وفيصل»

ابتسم كلا الشابين لها لكن لم تعرهما اهتماما لأنها تملك خطيبا ومخالطة الشباب ممنوعة عليها ثم قالت:

-«لننطلق، الوقت يداهمنا»

ركب جميعهم القطار وانطلقوا في رحلتهم، إستغرق الأمر أربع ساعات إلى أن وصلوا لمنطقة قريبة من الجبال فحملت هبة هاتفها تتفقده لكن لم تجد أي أثر للشبكة.

حدق بها عبد الإله لثوانٍ وقال:

-«لن يعمل، نحن في مكان معزول»

فتحت هبة عينيها والتفتت نحوه صارخة بقلق:

-«وماذا لو اعترض طريقنا لصوص أو قطاع طرق؟ كيف سنتصل بالشرطة»

كان فيصل يسير في المقدمة وعندما سمع حديثها التفت نحوها ونبس قائلا:

-«لا تقلقي فمعي سكين»

قطبت حاجبيها بانزعاج وقالت:

-«وفي ماذا ينفعا السكين إن كانوا مسلحين بمسدسات أو قنابل؟!»

انفجر عبد الإله ضاحكا وقال:

-«تشاهدين أفلام الأكشن كثيرا، لا تخافي فلا أحد يأتي للأماكن المعزولة كهذه إلا المغامرون الذين لا يخشون على حياتهم، حياة البرية خطيرة وقد تموتين في أي لحظة ليس بسبب رصاصة بل بالسقوط من على جبل والتسمم بالفطر أو عضة ثعبان أو حشرة قاتلة أو هجوم حيوان بري أو...»

قاطعته ريماس صارخةً:

-«توقف عن إخافتها»

ضحك عبد الإله بصوت خافت وقال:

-«أمازحك فقط فلا تخافي»

ازدردت هبة ريقها بهدوء وقالت:

-«لست خائفة أصلا»

واصلوا المشي لمسافة طويلة إلى أن بلغوا الجبل وتسلقوا الصخور المنحدِرة واحدة تلو الأخرى حتى بلغوا منتصف الطريق وجلسوا على مكان مستقيم يتناولون طعامهم.

بسبب الثقل الشديد كانت هبة هالكة من التعب لذا رمت نفسها على الأرض وحقيبتها على الجانب.

تقدمت نبأ منها وأعطتها قنينة ماء فشربت منها بسرعة حتى ارتوت وأردفت: «أشكرك، لكن لماذا الجو بارد؟»

أجابتها نبأ قائلة:

-«كلما ابتعدنا عن مستوى الأرض كلما زادت برودة الجو»

-«أليس المفترض أن يسخن؟! نحن نرتفع متجهين للشمس»

سمعهما عبد الإله فانفجر ضاحكا وقال:

-«يبدو أنكِ كنتِ تنامين في حصة العلوم»

قطبت هبة حاجبيها بانزعاج وقالت:

-«لمعلوماتك فقط فأنا طبيبة جراحة»

رد عليها بسخرية:

-«هذه كارثة أكبر من سابقتها، كيف دخلتي هذا المجال وأنتِ فاشلة في العلوم؟»

رغم أن كلامه مزعج وجارح لكن هبة وضعت يدها على شفتيها وضحكت بهدوء، لطالما كانت تحب الناس الصرحاء مثلها وحتى طريقته في الكلام مسلية أكثر من كونها عدائية.

تناول الستة طعامهم وأثناء مواصلتهم الرحلة ملت هبة من جر الحقيبة خلفها فأفلتتها ولكنها سقطت في الهاوية لتتحطم بينما ترتطم من صخرة إلى أخرى مما جعلها تصرخ بأسى قائلة:

-«لا! ملابسي وأحذيتي!»

قال عبد الإله وهو ينظر للحقيبة التي تسقط باستمتاع:

-«شكرا لهذا الجبل فهو يفهمني دون أن أتحدث، لطالما أزعجني تذمرك منها والآن ذهبت للجحيم»

كانت هبة ما تزال مستاءة فقالت وهي تضغط على خديها:

-«يمكنني شراء غيرها»

تمكنوا أخيرا من بلوغ القمة في نهاية اليوم لكن المؤسف أن الشمس قد غربت ولم يتمكنوا من رؤية المنظر جيدا لذا نصبوا خيامهم هناك وأشعلوا نارا جلس الجميع حولها حتى هبة لأنها تخاف البقاء في الخيمة وحيدة، وبسبب اعتيادها على الانترنت واتصالات العمل فقد كانت تتفقد الهاتف باستمرار وهي قاطبة حاجبيها.

قامت شهد ونبأ بوضع قطع اللحم على النار لتنشويا مع بعض البطاطا والطماطم وأعد فيصل الشاي بالليمون واجتمعوا يتناولون طعامهم وحين تذوقت منه هبة انبهرت بطعمه الذي يبدو وكأنه ليس نفس الطعام الذي اعتادت تناوله في البيت.

تذوقت كوبا من الشاي أيضا فانبهرت بالنكهة خاصة مع تلك الأجواء الجميلة حول النار والهواء البارد الذي يداعبها طوال الوقت ورائحة ورود الربيع الآتية من بعيد.

أحضر عبد الإله الناي خاصته وبدأ يعزف لحن أغنية ليبية تراثية وصار الجميع يصفقون ويغنون مع اللحن بسعادة، حتى هبة ابتسمت وهي تنظر لهم وانتابها شعور رائع بالحرية لأول مرة.

في الصباح الباكر شعرت هبة بحشرة تزعف على وجهها فضربتها بقوة بيدها وهمست بتذمر:

-«أكره الحشرات»

نظرت من خلال الخيمة فأيقنت ان الشمس على وشك البزوغ والظلام اضمحل فخرجت وألقت نظرة لتجد عبد الإله يجلس على حافة الجبل وينظر للشمس وهي تسطع من الأفق كقرص أصفر لامع وفاتن الجمال.

كانت الرياح ترتطم بوجهها ورائحة الغابات والشلالات تفتح النفس ومع منظر الشمس والجبال الممتدة على منحى البصر شعرت بقلبها ينتفض وبسعادة غامرة.

أخيرا تقدمت من عبد الإله فوجدته هائما في منظر الشمس وقالت:

-«استيقظت باكرا!»

أجابها بنبرة هادئة:

-«لا أستطع تفويت منظر شروق الشمس»

أشار بيده نحو منطقة بعيدة وقال:

-«أرأيتي تلك المنطقة؟ هناك شلال رائع الجمال أريد القفز فيه، يُقال أن بجانبه كهوفا مذهلة لذا سيكون وجهتنا التالية»

-«لماذا تحب الاستكشاف؟»

-«لأنني أردت إشعال ضُرمة شبابي، الوقت يمر سريعا والحياة قصيرة ولا أريد تضييعها في الأكل والنوم والعمل وتكرار الأمر كل يوم، أريد أن أعيش الخطر، أستكشف العالم من حولي فهو مليء بالمناظر المدهشة، وذلك بدل أن أبقى محصورا في غرفة بيتي وقاعة عملي، أريد أن أرى شروق الشمس على الجبال»

أحنت هبة رأسها وهي حزينة وقالت:

-«لطالما عشت هكذا، لقد صرت جراحة قلب إذعانا لرغبة والداي ومذ ذاك الحين وأنا أسيرة للروتين الممل»

-«رغبة والديك! وبماذا ترغبين أنتِ؟»

فكرت هبة مليا وقالت:

-«لا أعلم، لم أسأل نفسي قبلا»

-«وماذا تنتظرين؟ إسأليها الآن»

تعجبت هبة من كلامه ونظرت للشمس وهي تفكر قيما قاله، بعد لحظات التفتت له بعد أن سمعته ينطق بجملة معينة وهو يحدق بيدها:

-«خاتم جميل، مبارك الخطوبة، لما لم يأتِ خطيبك معك؟»

أجابته بتوتر:

-«لا أحب محادثته عن الأماكن التي أخرج إليها فهو نوعا ما...»

لم تستطع وصفه بكلمة مناسبة إلى أن قال الآخر:

-«غيور؟»

-«لا، بل هكذا فقط، لا أحب الذهاب معه لأي مكان»

رفع أحد حاجبيه باستنكار وقال:

-«هل يُهيأ لي أم أنكِ تحاولين تجنبه؟!»

-«لا أتجنبه، أنا فقط...فقط...لا أعلم كيف أصف الأمر لكن لا أشعر تجاهه بأي شيء، لقد تزوجته إذعانا لرغبة أهلي لأنه ثري وناجح»

انفجر ضاحكا وأردف:

-«كل شيء مهم في حياتك يحدده والداك! أين شخصيتك؟ أين قراراتك؟ أين رغباتك وأحلامك؟ هل أنتِ بشر أم دمية خيط؟»

وضعت هبة يدها على خدها وغاصت في تفطير عميق تفكر بأن كلامه صحيح وواقعي إلى أن أيقظها من غفوتها بكلماته تلك:

-«الزواج خاصة هو شيء لا يجب أن يتدخل أحد فيه سوى الطرفين اللذين سيتزوجان، إن رأيتي أن أحدا لا يناسبك أو أنكِ غير قادرة على إعطائه الحب الذي يعطيك إياه فلا توافقي، كوني حذرة من أن تكوني دمية لأحد فحين تقعين ذات يوم في مأزق بسبب توجيهات الناس فهم لن يحركوا ساكنا بل سيتركونك تغرقين في الوحل لوحدك»

بينما يتحدث كان يحدق بالشمس ويبتسم بطريقة ساحرة وعينا هبة عليه، كانت أشعة الشمس الهادئة اللطيفة تنعكس على ابتسامته لتظهره كملاك فاتن، ونسيم الهواء يلاطف خصلات شعره القصيرة الملساء مما يجعل الوضع شاعريا أكثر، لأول مرة منذ سنوات شعرت هبة بأن أحدهم قريب لقلبها فابتسمت تلقائيا وهي تشاهده وقالت بهدوء:

-«أريد إشعال ضُرمة شبابي»



عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 2:39 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الجمعة مايو 06, 2022 2:18 pm

ضُرمة الشباب: الفصل الثاني



بزغت أشعة الشمس الذهبية في الصباح الباكر فغطت العالم بلون ذهبي جميل يأسر الناظر، الطيور تزقزق فرحا بقدوم يوم جديد والرياح الباردة الهادئة تضرب أوراق الأشجار.

خرجت ريماس من خيمتها بعد أن شعرت بضوء النهار يطغى على الظلام ونظرت من حولها فلم تعثر على هبة لذا توجهت لخيمة الشباب وأخبرها أحمد أيضا أن عبد الإله غير موجود.

نظر الاثنين من حولهما فلم يلاحظا سوى الجبال والغابات، ألقت ريماس نظرة على الخيمة فوجدت ورقة معلقة فيها مكتوب عليها: «لقد ذهبنا لتدبر الطعام، سنعود بعد دقائق فلا تقلقوا»

في أعماق الغابة وبين أشجارها الرطبة المُخضرة سار عبد الإله وخلفه هبة التي تسير بحذر وتنظر من حولها ثم قالت بخوف:

-«هذا مرعب! هناك الكثير من الحشرات هنا!»

رد عليها عبد الإله بعد أن توقف وانحنى لرؤية شيء ما على الأرض:

-«الحشرات لا شيء مقارنة بالأفاعي والمخلوقات السامة»

ازدردت هبة ريقها واصفر وجهها مخبرا عن صدمتها، ثم أكمل عبد الإله وهو يشير لشيء ما:

-«عثرت على توت بري، هل تريدين التذوق؟»

تقدمت هبة منه فرأته يشير لقطع من الفاكهة حمراء اللون فشعرت بالسعادة وقالت:

-«كم تبدو شهية!»

مدت يدها لكي تلتقطها لكنه أمسكها بسرعة موقفا إياها وقال:

-«لا تتسرعي، قد تكون سامة»

-«لكنك طلبت مني التذوق»

-«بعد أن نجري عليها فحص السُّمية»

-«أوه جميل! وكيف نجريه؟»

أخذ عبد الإله ورقة من نبتة التوت وعصرها بأصابعه فسالت قطرة منها ووضعها على يده الأخرى وانتظر حوالي دقيقة فلاحظ أن لون بشرته تحول للأحمر وقال:

-«كما توقعت، إنها سامة، لنبحث عن غيرها»

هزت هبة رأسها باندهاش وقالت:

-«واو! كيف عرفت ذلك»

-«النباتات السمية تتسبب باحمرار الجلد حين يتم صب عصارة أوراقه عليها، أما في حال لم تسبب أي حساسية فهي غير سامة»

-«مذهل! يمكنني تعلم الكثير منك»

-«طبعا، تعالي لنبحث عن مصدر آخر»

تغلغل الاثنان في أعماق الغابة وقاما بفحص كل الفواكه ومصادر الأكل التي عثرا عليها وبالنهاية جمعا القليل من الطعام.

بينما هبة تسير وإذا بها تشعر بشيء يزحف على رأسها لذا تصنمت مكانها كالتمثال وقالت بنبرة خوف متقطعة:

-«مالذي على رأسي؟!»

نظر عبد الإله إليها فلاحظ حشرة أم أربع وأربعين تزحف فوق شعرها وقال:

-«هنا شيء لكن لا تنفعلي إتفقنا؟»

إزدردت ريقها بخوف وقالت:

-«تكلم ماذا يكون؟»

-«مجرد أم أربع وأربعين»

حينها صرخت وهي ترتجف:

-«مجرد! هناك حشرة تزحف فوقي، أبعدها، أبعدها، سأموت من الخوف»

-«هذا النوع من الحشرات لا يؤذي البتة»

-«قلت لك أبعدها، لا يهمني حتى لو كانت أليفة، أبعدها»

تقدم منها والتقطها بيديه وكان طوالها تقريبا بطول الأصبع وقبل أن ينطق بأي حرف ضربتها هبة وأسقطتها من يديه ثم ابتعدت عنه مسرعة وصرخت بحدة:

-«لما أنت بطيء هكذا؟! كنت سأموت من الخوف»

انفجر ضاحكا وقال:

-«جبانة، مكانك ليس البرية دون أدنى شك»

-«نعم مكاني ليس البرية، الآن اكتشفت ذلك؟ ثم ما قصة إمساكك لذلك الشيء الزاحف المقزز بيديك؟ هل أنت عديم مشاعر؟!»

-«لا أخاف الحشرات، بالعكس لدي صندوق كامل منها أربيه في غرفتي»

إقشعر جسدها فاستدارت لتعود أدراجها لكنها نسيت طريق العودة وقالت:

-«من أين المخرج؟»

-«عجبا! لا أتذكر»

لطمت وجهها بقوة وبدا عليها القلق لكن عبد الإله طمأنها بقوله:

-«لا تحملي هم، أستطيع معرفة طريق العودة»

-«حقا؟!»

أشار لأحد الأشجار فلاحظت نوعا من الطحالب شديدة الخَضار متكدسة بشكل عمودي ثم قال:

-«تلك الطحالب تنمو باتجاه الشرق بسبب نقص أشعة الشمس الواردة إليها، هذا يعني أننا أتينا بالغرب أي الاتجاه المعاكس»

إنصدمت الأخرى من كمية المعرفة البرية التي لديه ثم عادا للمخيم بعد أن أحضرا فواكه وفطرا وبعض الموارد التي يمكن أكلها.

عندما عادا وجدا البقية يشعلون النار ثم قاموا بشوي بعض الفطر وتناولوا الفاكهة التي تم إحضراها وبعد أن ارتاحوا وأكلوا وفرغوا مما يفعلونه جمعوا خيامهم وأغراضهم للمغادرة.

قبل أن يغادر عبد الإله قام بجمع حفنات من التراب وسكبها على النار فتساءلت هبة عن السبب قائلة:

-«إنها خامدة بالفعل فلماذا تفعل ذلك؟!»

-«هناك احتمال أن تضرمها الرياح ويندلع حريق مرعب، لا أريد أن أكون مذنبا في ذلك»

ابتسمت هبة وقالت:

-«لديك روح استكسافية نبيلة ونقية»

وبينما تحدق به بسعادة لاحظ البقية نظراتها فحاولوا كتم ضحكاتهم ثم تحدثت ريماس بعد أن تنحنحت:

-«هيا يا رفاق، أمامنا رحلة طويلة فلا تضيعا الوقت»

سار الجميع في رحلتهم مرورا بالمنحدرات والصخور العملاقة والغابات الكثيفة وطوال الوقت كانوا يرفعون آلات تصويرهم في الهواء ويقومون بتسجيل شريط تثقيفي حول الطبيعة والتخييم في الغابة وبعض الإرشادات التي يجب اتباعها عند الخروج للطبيعة الأم.

في نهاية المطاف وصلوا إلى نهر متدفق صافٍ من شدة نقاءه تستطيع رؤية كل شيء بداخله وأولها الأسماك بمختلف أنواعها.

عند وقوفهم أمامه لبعض الوقت تحدثت شهد قائلة:

-«لنصطد بعض الأسماك بما أننا هنا»

شمر فيصل وعبد الإله عن ذراعيهما وقالا:

-«لنجعلها منافسة»

ثم قالت هبة بينما ترفع أحد حاجبيها باستغراب:

-«منافسة على ماذا؟!»

قال عبد الإله:

-«بالعادة نحن نتنافس على من يصطاد سمكا أكثر والفائز يمكنه طلب خدمة واحدة من الجميع وهم مجبرون على تنفيذها»

حينها ردت عليه باستغراب:

-«ما هذه اللعبة الصبيانية؟!»

أجابها بنبرة مستفزة:

-«لا أحد طلب منكِ المشاركة أصلا، المنافسة للأقوياء فقط، نحن نحب الألعاب الطفولية لذا إبقي بعيدة أيتها الراشدة الذكية»

إستفزه كلامها مما جعلها تصر على قبضتها بقوة وتقطب حاجبيها وترد بنبرة حادة:

-«لمعلوماتك فالأمر سهل جدا ويمكنني الفوز بيد واحدة لذا لا تظن أنك أتيت بمنافسة تعجيزية»

-«حتى لو كان سهلا فلا أريد منكِ المشاركة، إبقي بعيدا أيتها الناضجة»

-«قلت سأفوز يعني سأفوز»

-«حسنا، سأعطيكِ فرصة لعلكِ تفوزين علينا، رغم أنني أعرف بالفعل النتيجة»

-«سنرى إذًا، فليفز الأقوى والأفضل»

شمر الجميع عن أيديهم وأرجلهم ووقفوا في وسط النهر يبحثون عن أي أسماك مارة بالجوار ليلتقطوها، كانوا جميعا يبذلون جهدا جبارا وكل منهم يطمح للفوز، وحتى هبة بذلت كل ما تستطيع لأنها لا تريد جعل نفسها أضحوكة أمامهم.

مع مرور الوقت التقط البقية عدة أسماك صغيرة بيديهم إلا هبة فهي لم تستطع التقاط شيء نظرا لسرعة سباحة الأسماك في الماء، حينها قالت بتذمر:

-«ما بال هذه الأسماك! ما خطبها معي!»

رد عليها عبد الإله بطريقة مستفزة:

-«ألهذه الدرجة من الصعب عليكِ إمساك سمكة؟ أيتها الدكتورة الناضجة!»

-«ليس من شأنك، ليس عدلا أن أدخل معكم تحدي فأنتم خبراء ومتمرسون في الأمر»

-«بل لأنكِ مغرورة، ما كان عليكِ قول ما لا تقدرين عليه، المنافسة ليست للجبناء»

-«أنا مغرورة! كرر ما قلته؟!»

-«نعم مغرورة والكل شاهد على ذلك، كونكِ طبيية ناجحة لا يعني أنكِ الأفضل في كل شيء، ولا يعني أن نسمح لكِ بالاستنقاص من هواية الاستكشاف»

-«ومتى استنقصت منكم؟!»

-«منذ بدأنا الرحلة وأنتِ تسخرين وتستنقصين من اهتمامنا بالاستكشاف، نحن نحب هذه الهواية فما مشكلتك؟!»

فجأة تدخلت ريماس لتحل النزاع لأنه احتدم أكثر من اللازم وإن استمر هكذا فستتخرب المغامرة.

أخذت ريماس هبة بعيدا وقالت:

-«كفى شجار! وأنت يا عبد الإله لقد تماديت كثيرا فهبة لم تقصد الاستهزاء بنا بل هي فقط معتادة على نمط حياة آخر لذا تواجه صعوبة في عيش نمطنا»

رد عبد الإله بلا مبالاة:

-«أنتِ فقط من تبررين لها بينما كل شيء واضح من كلامها»

-«حسنا إهدأ، إنه مجرد سوء فهم، لنكمل رحلتنا ونترك عنا الشجار والمشاكل»

قال فيصل:

-«إنه وقت الغداء، لنقم بطبخ ما اصطدناه»

وافق الجميع على الفكرة وأضرموا نارا اجتمعوا حولها بعد أن تجمدت أقدامهم وأيديهم من برودة الماء ثم وضعوا السمك على النار وهموا بتناوله وهم صامتون نظرا للشجار الحاد الذي حصل مؤخرا.

إستأنفوا رحلتهم وانطلقوا يسيرون على حافة النهر ليقودهم لمجرى الشلال وكلما تقدموا كلما انبهرت هبة بكمية المناظر الطبيعية الرائعة والتقطت لها عشرات الصور.

كانت ريماس أيضا تسير في آخر الفريق وترفع آلة التصوير خاصتها موجهة إياها لتصوير كل تلك المناظر الجميلة، ومن حين لآخر تتحدث معها كما لو أنها تحدث متابعيها عبر المدونة.

وصلوا أخيرا للشلال وكان ارتفاعه شاهقا وكافيا لكي يهشم عظام أي أحد إن قفز وارتطم بسطح الماء، والزبد الأبيض الناتج عنه يشكل خليطا ساحرا من الألوان وصوتا عذبا تترنم به الأسماع.

وبسبب الرذاذ المتطاير على الجانبين تشكل قوس قزح جميل يجعل المنظر يبدو وكأنه قطعة من رسمة فنية وليس حقيقة، نعم منظر بهذا السحر لم تتخيل بطلتنا هبة يوما أنها ستحظى بفرصة رؤيته والتمتع به.

استلقى الرفاق الخمسة على العشب ونظروا للسماء بسعادة إلا هبة التي ما تزال مسحورة بالمنظر، لم تستطع إبعاد عينيها عن هذه القطعة من النعيم، أخذت تتجول يمينا وشمالا وتلتقط الصور بحماس وفجأة عثرت على نوع محدد من الزهور أثار دهشتها وأبهر عينيها، كانت زهرة بيضاء ذات أطراف أرجوانية وأوراقها طويلة كريش الدجاج.

مدت يدها لتلتقط الزهرة فصرخ عليها عبد الإله من بعيد:

-«لا تلمسي أي شيء أيتها الطبيبة الجراحة الموقرة»

رمقته بنظرة حادة ثم قطبت حاجبيها وأخذت ورقة من تلك الأزهار وعصرتها ليسيل لبها على يدها فلم ينتج عنه أي احمرار، حينها قطفت واحدة ووضعتها في حقيبتها في أحد الكتب لتجففها وتبقى محتفظة بشكلها ورائحتها الزكية.

حامت شهد حول المكان فعثرت على مدخل كهف صغير وصرخت على البقية:

-«يا رفاق! لقد وجدنا ظالتنا»

ركض الجميع نحوها بحماس وألقوا نظرة فوجدوا مدخل الكهف مظلما.

فجأة!

أفزعهم سرب من طيور الخفافيش وهي تطير باتجاه مخرج الكهف فانبطح الجميع باعتيداية إلا هبة التي صرخت وتراجعت للخلف فتعثرت بحجر وسقطت على الأرض بوضعية مثيرة للسخرية.

حاول الجميع الاطمئنان عليها إلا عبد الإله فقد كان يحاول كتم ضحكاته غصبا لكنها تخرج على هيئة أصوات مضحكة.

نظرت له هبة بحدة وقالت:

-«لا تضحك، لست معتادة على الأمر فحسب»

شغل الجميع مصابيحهم اليدوية ودخلوا الكهف فانبهروا بجماله من الداخل، كان واسعا جدا والماء يغطيه جزئيا، وهناك عدة صخور قفزوا فوقها ليكملوا طريقهم في الاستكشاف بكل حماس.

بعد فترة من سيرهم عثروا على نوع من الأحجار الطويلة التي تبدوا كأحجار الملح معلقة في سقف الكهف وعلى جوانبه وأرضيته أيضا، حينها قالت شهد:

-«أحجار كريستالية! لطالما تمنيت أن أعثر على واحدة»

قالت نبأ:

-«ما الجدوى منها؟!»

ردت عليها شهد:

-«راقبي بنفسك»

قامت شهد بتصغير رقعة ضوء الكشاف ووجهتها نحو الحجر الكريستالي فانعكس ضوؤه على شكل أنوار ملونة بلون قوس قزح نحو حجر آخر وذاك الحجر بدوره انعكس على أحجار أخرى لينير المكان ويتحول المنظر لعرض مذهل من الأضواء الملونة الساحرة.

بقيت هبة مفتوحة الفاه لبرهة وهي تنظر لهذا الإعجاز وتمنت البقاء هناك للأبد، لا شيء حقا يضاهي أن تكتشف أن هناك تجارب ساحرة في العالم لا يراها الكثيرون لكنك حظيت بفرصة رؤيتها.

إنحنت نحو أحد الأحجار الكريستالية وحاولت اقتلاعه لكنه بدا قويا جدا لتكسره بيديها، فجأة رأت عبد الإله وهو يحمل مطرقة ويضرب نفس الحجر الكريستالي فكسر جزءا منه مما جعلها تصرخ غاضبة:

-«لماذا؟!»

أجابها ببرود:

-«لا يمكنكِ أخذها كاملة فهي ثقيلة، خذي تلك القطعة فقط»

رغم أنها لم تبح بأي شيء لكنه عرف برغبتها في أخذ قطعة كتذكار، ذاك الشاب غريب حقا! إنه يفهمها دون أن تنبس بحرف.

إلتقطت قطعة الكريستال المكسورة ثم وضعتها في حقيبتها وهمت بالخروج أولا فلحق بها عبد الإله وقال:

-«أنتِ حساسة جدا، لقد كنت أمزح معك»

ردت عليه بينما تقطب حاجبيها:

-«مزاحك ثقيل، هل نظرت لنفسك كيف تعاملني؟ من يرانا يظن أنك تدين لي بمبلغ كبير من المال ولم أرده»

-«صحيح، آسف، لن أمزح معكِ هكذا مجددا، لنعقد هدنة»

تعجبت هبة من اعتذاره المفاجئ فقد بدا جادا للغاية، وما كادت ترد حتى استأنف كلامه قائلا:

-«أنتِ لطيفة، لم أقل هذا لأحد من قبل، لقد استمتعت بإزعاجكِ خلال هذه الرحلة وهو أمر غريب، عادة لا أعامل كل الفتيات هكذا»

تلك الكلمات العدة التي نطقها من بين شفتيه زعزعت قلبها وجعلتها تتوتر بدون سبب، حتى أنها ضيعت ما ستقوله، فجأة صارت تلتف يمينا وشمالا تبحث عن شيء تقوله وكل ما خطر على بالها هو:

-«هل سبحت في شلال من قبل؟»

انفجر ضاحكا عليها وقال:

-«نعم، مرات لا تعد ولا تحصى، ماذا عنك؟»

-«ولا مرة»

-«ها هي ذا فرصتك إذًا»

كانت تقف على الحافة فدفعها بقوة لتسقط في الشلال وتبدأ بالصراخ بهستيرية جعلت جميع رفاقها الآخرين في الكهف يهرعون مسرعين لتفقدها، بعد أن رأوها صاروا يضحكون على حالها فقد كانت تستنجد من الغرق في حين أن الشلال عمقه متر تقريبا وإن وقفت فقط ستكون بخير.

قفزت كل من ريماس ونبأ في الشلال وأمسكتاها من كلتا ذراعيها فوقفت على رجيها تتنفس بقوة بعد أن ظنت أنها ستموت اليوم، نظرت لعبد الإله فرأته سيختنق من الضحك لدرجة أنه رمى نفسه أرضا يتدحرج من شدة الكوميديا.

كانت حاقدة عليه بالفعل وهذا الموقف زادها حقدا لذا أشارت في وجهه بإصبعهها وصرخت بغضب عارم:

-«أنت! أيها الوغد ثقيل الدم المزعج المتنمر ومضطهد النساء، عديم الرقي والإنسانية، كيف تجرأ على النكث بوعدك، قبل دقائق كنت تعتذر على هفواتك والآن عدت لمزاحك المتعفن»

رد عليها وهو يحاول كبت ضحكاته ومسح دموعه التي سالت غصبا:

-«آسف آسف، معي ثياب جافة وسأعطيها لك كاعتذار»

-«تبا لك، لا حاجة لي بملابسك، كل ما أريده أن تكف عن مقالبك»

وقبل أن يرد عليها بحرف واحد شعر بشيء يلسع في ساقه وحين رفعها عثر على عقرب تحتها فحاول الوقوف مسرعا لكن رجله صارت تنمل وتؤلم بطريقة غريبة، كل ما استطاع فعله هو الزحف بعيدا، هذا إلى أن رأى بقية الرفاق العقرب فارتعدوا من الخوف عليه، حتى هبة شعرت بخوف شديد وكادت تبكي.



عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 2:45 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1السبت مايو 07, 2022 11:42 am

ضُرمة الشباب: الفصل الثالث



صمت رهيب وخوف قاتل يعم المكان هناك عند الشلال المتدفق، كان المغامرون الخمسة متصنمين أماكنهم من هول الموقف الذي أمامهم، لا أحد فيهم واجه من قبل لدغة عقرب مميتة ولا يعرفون حتى الحل للتصرف.

أما على العشب هناك كان عبد الإله مستلقيا يحاول تمالك نفسه وعدم الذعر، كان ممسكا برجله فحسب ولا يعرف ما يجب عليه فعله.

فجأة!

ركضت هبة نحوه وانحنت لتجلس عند ساقه وتلقي نظرة عليها، رفعت رجل بنطاله إلى الركبة لتتمكن من الرؤية جيدا وهمت بتفحص ذيل العقرب ولحسن الحظ لم يبقى ملتصقا بساقه.

ثاني خطوة قامت بها هي إخراج قنينة ماء بارد وسكبها على المنطقة المصابة لتنظيفها من آثار السم.

ثالثا، مزقت جزءا من سترتها وربطت بها أعلى رجله بقوة وقالت:

-«في حال تم قطع مصدر السم عن الأوعية الدموية للقلب فلن ينتشر أكثر، ستشعر بثقل في رجلك لأن تدفق الدم نحوها سيصبح أقل لكن لا تقلق فهذا لمصلحتك»

ثم التفتت نحو نبأ صارخة:

-«اقتلي العقرب واحتفظي بها، علينا أخذها للمشفى من أجل التحاليل التي تحدد مدى خطورة لدغتها»

أومأت نبأ برأسها أنْ نعم ثم همت بتنفيذ الأمر بينما صرخت هبة بحدة على فيصل وريماس:

-«وأنتما، تعالا واحملاه، لا وقت لدينا، علينا العودة للمدينة فحياة فرد منا أهم من رحلة استتكشافية»

وافقها الجميع الرأي وهموا بتنفيذ الأوامر ثم انطلقوا عائدين للمدينة، وعندما كادوا يصلون لمنطقة عمرانية حصلت هبة على إشارة في هاتفها فاتصلت بسيارة الإسعاف من المستشفى الذي تعمل فيه ليأتوا إليها بسرعة وينقذوا حياة ذالكم الذي يصارع الموت هناك.

تم أخيرا نقل عبد الإله للمستشفى وبقي تحت العناية تحسبا لأي مضاعفات، لدغة العقرب خطيرة واحتمالية الموت بسببها ممكنة لذا عليهم انتظار نتائج التحاليل.

في الغد وفي الصباح الباكر توجهت هبة لإحدى الغرف في المستشفى وطرقت الباب ثم دخلت بنظرة باردة خالية من أي مشاعر لتجد عبد الإله مستلقيا على سريره منهكا فقالت:

-«كان عليك الحذر، كنت ستموت»

هز كتفيه بعدم اكتراث فرمت أمامه وثيقة الفحوصات وأردفت:

-«هذه هي نتائجك، ذاك النوع من العقارب خطير ولو لم يتم إسعافك بالطريقة الصحيحة لما كنت حيا الآن»

تفاجأ الآخر من كلامها وهم بقراءة الفحوصات ولكنه لم يفهم شيئا منها، كان حينا يرمقها بنظرة جانبية وحينا يركز بالورقة، ثم قال:

-«ولما الغضب؟!»

-«غاضبة لأنك مثير للشفقة، حتى بعد كل مقالبك وكلامك المستفز بحقي فأنا أشعر بالحزن على حالك»

-«لقد قمتِ بإنقاذي، لا أعرف كيف أرد لكِ الجميل، لا أستطيع تخيل ما كان سيحدث لو لم تكوني بيننا»

-«لا أريد أن ترد جميلي، فقط كن حذرا المرات القادمة ولا تتلوى فوق العشب كالدودة»

استدارت لتغادر الغرفة لكنها تصنمت مكانها حين سمعته يقول:

-«هل هو أمر عادي أم أنها معجزة أن يجمعنا القدر في حادثة كهذه؟!»

استدارت نحوه بفضول ورفعت أحد حاجبيها استغرابا وقالت:

-«ماذا تقصد؟!»

-«أحقا لا تتذكرين؟ فرنسا وروما ومصر والصين؟»

ظنت الأخرى أنه يخرف من شدة الحمى فتجاهلته فحسب ولكنه أثار تعجبها مجددا بقوله:

-«حين كنا في الخامسة من عمرنا التقينا مرة واحدة في الروضة، وقتها أخبرتكِ أن والدي يقرأ لي كتبا كثيرة عن البلدان الأخرى ومعالمها الأثرية الهامة ولكنكِ لم تفهمي علي لأنكِ قليلة الاطلاع»

رمشت بعدم فهم وواصلت محاولة تذكر ذلك الأمر، صحيح أنها درست في الروضة في طفولتها لكن بحكم جهلها وكونها طفلة فلن تستطيع تذكر جميع من قابلتهم هناك، لعل عبد الإله كان منهم فعلا لكنها لا تتذكر الكثير عنه.

بعد دقائق جلست بجانبه على السرير منصتةً باهتمام وهو يقول:

-«ذاك اليوم الذي تعرفنا فيه حصل شيء غريب، لقد أنقذتي حياتي»

-«كيف ذلك؟!»

-«إليكِ الحكاية»

• قبل 24 سنة:

مجموعة من الأطفال في الروضة يركضون يمينا شمالا بطريقة فوضوية، بينهم يجلس طفل في الخامس من عمره ومعه كرة صغيرة زجاجية، كان يرميها للأعلى ويحاول التقاطها ولكنه يفشل فشلا ذريعا في ذلك، فأحيانا تسقط أرضا وأحيانا تصيبه في رأسه فتؤلم جمجمته.

في آخر محاولة له رماها للأعلى مع فتحه لفمه فدخلت لحلقه مباشرة وسببت له الاختناق فصار يسعل ويسعل وينادي على المعلمة بهمهمات مكتومة ولكن لم يدري أحد بمصابه.

كانت هبة على مقربة منه وعندما رأته ركضت نحوه وضربته على ظهره بقبضتها وبفضل شدة الضربة خرجت الكرة الزجاجية وبذلك تكون قد أنقذت حياته.

التفت نحوها وقال بنبرة مهتزة:

-«شكرا لك، من تكونين؟»

-«مرحبا، أنا أدعى هبة، وأنت؟»

-«عبد الإله، شكرا لإنقاذي»

-«كن حذرا من اللعب بالكرات الزجاجية فأمي تقول أنها خطيرة وتمنعنا من اللعب بها، أخبرتنا ذات يوم عن قصة ولد تزحلق بها وسقط فانكسر ظهره، وآخر رماها لأعلى فسقطت على عينه وتسببت له بالعمى، وأخرى رمتها على أخيها الصغير فكسرت سنه»

-«سأكون حذرا المرة المقبلة...»

----------------------



توقف عبد الإله عن سرد القصة في هذه النقطة وقال:

-«هل تذكرين تكملة القصة؟»

أجابته بينما تومئ برأسها سلبا:

-«لا، في طفولتي كنا كثيري السفر بسبب عمل والدي لذا قابلت مئات الأطفال ولا يمكنني تذكر كل واحد منهم»

-«معكِ حقا، لكن غريب أنني مازلت أتذكر، ربما لأنني مدين لكِ بحياتي»

-«أصبحت مدينا لي مرتين»

-«أجل، ولهذا علي رد الجميل، ماذا يمكنني أن أفعل لأجلك؟»

-«قلت لك لا أريد أي رد، لكن لو كنت مصرا فتوقفك عن المقالب والكلام المستفز سيجعلني اسعد إنسانة في العالم»

-«هل هذا يعني أننا سنلتقي أكثر في المستقبل؟»

أصابها سؤاله بالارتباك فتنحنحت وقامت متجهة نحو الباب وهي تقول:

-«لا، نسيت أننا لن نلتقي مجددا، المهم، يمكنك المغادرة فحالتك الصحية مستقرة، فقط احرص على تناول المضادات الحيوية ومخفضات الحرارة وستكون بخير»

-«فهمت، شكرا أيتها الدكتورة الذكية الرائعة»

صرخت عليه بحدة:

-«ماذا قلت لك؟»

-«أقسم أنني جاد هذه المرة ولست بمستهزِئ»

عند خروجها من غرفته صارت تبتسم تلقائيا وتتذكر كلماته لها بالتفصيل، كل لحظة تمر معه ممتعة ومرحة ولا يمكنها إنكار ذلك أكثر، هناك شعور جميل بالقشعريرة يستحوذ على جسدها حين تكون بقربه.

وهي تسير لمحت في آخر الرواق خطيبها محمد وهو قاطب حاجبيه ذا وجه لا يسر البتة فوقفت مكانها ولكنه اقترب منها وقال بنبرة حادة:

-«لم نلتقي منذ ثلاث أيام ولكنكِ لا تلقين علي التحية حتى»

-«صحيح، أعتذر، مرحبا، كيف حالك؟»

-«لست بخير أبدا، أين كنتِ طوال تلك المدة؟ وفوق ذلك هاتفك مغلق! وحتى أهلك لا يعرفون مكانك!»

-«أهلي لا يتدخلون بخصوصياتي ولا يسألونني حتى فهم يعلمون بكثرة انشغالي بعملي وأموري الخاصة»

-«حسنا، أتفهم انفتاح أهلك، لكن ماذا عني؟ أنا خطيبك»

-«وماذا أفعل لك؟»

-«ماذا تفعلين لي! أهذه حقا إجابتك؟! أنا خطيبك، أخبريني عن أماكن تواجدك على الأقل لكي لا أقلق»

-«أنت تبالغ، ليس عليك القلق، لست مراهقة في السادس عشرة من عمرها، أنا الآن شابة ناضجة وواعية وأجيد تدبر أموري والاعتماد على نفسي في كل شيء»

-«إذًا فوجودي لا محل له من الإعراب؟»

-«لم أقل ذلك، لكن لا تبالغ فأنا كبيرة على أن يقلق الناس علي»

من شدة غضبه أغلق الموضوع فورا وخرج بسرعة من المشفى وجلس في الحديقة يراجع نفسه قليلا، عدة دقائق هناك جعلته يسترجع هدوءه ويستجمع نفسه للاعتذار لخطيبته على صراخه بوجهها بتلك الطريقة.

نظر من حوله فرأى بائع ورود متجول فاشترى من عنده باقة ورود حمراء جميلة وعاد للمستشفى ناويا الاعتذار.

أثناء مروره بمكتب الاستقبال سمع موظفتين تتحدثان قائلتين:

-«ما خطب الدكتورة هبة؟»

-«إنها بخير لا تقلقي، لكن واحد من الذين كانوا معها أصيب بلدغة عقرب سامة»

-«من يكون؟!»

-«لا أعلم، كان معها في سيارة الإسعاف هو وشاب آخر وثلاث فتيات ومما استنتجته من حديثهم بأنهم كانوا في رحلة استكشافية للجبال بمفردهم»

فجأة ضغط محمد على كومة الزهور بيده وتوجه مسرعا نحو مكتب هبة واقتحمه دون أن يطرق الباب حتى وصرخ بغضب قائلا:

-«تذهبين في رحلة استكشافية وحدك للجبال مع شابين؟!»

-«من أخبرك؟!»

-«لي طرقي الخاصة لأعرف، ما هذا التصرف المشين، أنتِ مخطوبة وتذهبين مع رجلين غريبين؟!»

-«نعم ولكن كنا أربع فتيات بالفعل، كما أن الشابين محترمين ولم يلمسانا بمقدار ظفر»

-«هذا لا يهمني، مجرد فعلك لذلك هو تقليل من احترامي»

-«أحقا؟!»

-«لا أريد رؤيتكِ مع أي شاب مجددا، ولا حتى زميل لكِ في العمل، وأيضا أبلغيني بكل تحركاتك وأي مكان تتجهين إليه وأريد أرقام صديقاتك كلهن»

-«مهلا مهلا! نحن لم نتزوج بعد قانونيا ولكنك تحاول التحكم بي وجعلي خاتما في إصبعك؟! يوم تقدمت لخطبتي قلت أنك سترضى بي كوني متحررة ومستقلة في كل شيء لكنك الآن تنكث بالعهد»

-«ألا تفهمين؟ كل ما أفعله بدافع الغيرة والحب»

-«بل بدافع التملك، عليك رؤية وجهك في المرآة، ستضربني عما قريب»

نظر لانعكاسه في زجاج النافذة فرأى تكشيرته المرعبة، ثم استئنفت هبة حديثها قائلة:

-«ربما علينا وضع حد لكل هذا، لم أعد أستطيع المواصلة، لننفصل»

تجمد محمد مكانه من هول ما سمعه وأومأ برأسه بالسلب وكأنه سيفقد شيئا ثمينا في حياته، كلماتها تلك جعلته يتحول فجأة لشخص هادئ، لقد جعلته يفقد نفسه ويتمنى التراجع عن كل ما فعل وقال.

لحظات صمت سادت المكان ثم قال:

-«أجادة أنتِ»

-«أجل، ولن أندم على قراري»

-«كل هذا لأنني طلبت منكِ مراعاة خطبتنا؟»

-«بل لأنني...واقعة بحب شاب آخر»

كان هذا آخر ما سمعه قبل أن يلتف ويغادر المستشفى دون أي نقاش، لم يسألها حتى كيف حصل ذلك ومتى فهو يعلم بأن الحب يباغتنا بطرق لا ندركها، هو أيضا عاش تجربة الحب معها ولا فائدة من التمسك بها أكثر.

عادت هبة للمنزل بعد انتهاء دوامها في المستشفى ودخلت بتعب ولكن وجدت عائلتها تنتظرها بالداخل ووجوههم مكفهرة لا تسر البتة.

إبتسمت لهم بتكلف وتوجهت للمطبخ لتأكل لكن صرخة أبيها من الخلف أرعبتها:

-«هبة! تعالي فورا»

قطبت حاجبيها بانزعاج وذهبت للجلوس مع والديها وإخوتها وكل منهم يحدق بالآخر بتوتر، بعد صمت مرعب قال الأب:

-«سمعنا أنكِ فسختِ الخطبة فمالداعي لذلك؟»

-«ما من داعٍ، ذاك الشاب لا يناسبني»

-«لكنه ابن صديقي»

-«نعم، وهل ستشعر بالإحراج من الموضوع أم تدعمني في قراري المصيري»

-«طبعا لن أدعمك، أولئك الناس من أروع ما يكون وستندمين على قرارك لاحقا»

ثم قالت الأم بعد أن استمعت للنقاش:

-«والدكِ معه حق، لو كانت المشكلة هي خصاما بسيطا بينكما فلا تقلقي، كل المرتبطين يتشاجرون ويتصالحون في النهاية، ليس هناك علاقة خالية من الخصامات، بل هي نقطة مهمة تجعلنا نعرف قيمة الطرف الآخر»

ردت عليها هبة بنبرة حادة:

-«ليست مسألة خصام، أريد فقط الانفصال فخطبتنا كانت خطأ، لقد وافقت عليه لأنكما اخترتماه بأنفسكما»

ضرب الأب الطاولة بغضب وصرخ قائلا:

-«مالذي أصابك؟! قبل أيام كنتِ طبيعية، لكن آخر مرة اختفيتي فيها لثلاث أيام جعلتكِ تتحولين بطريقة غريبة»

ردت هبة بحشرجة:

-«لأنني سئمت يا أبي، لقد سئمت، لم أعد أحتمل أن يتدخل أحد في حياتي، أنا أيضا إنسانة مستقلة وأملك خياراتي»

-«أيًّا كانت خياراتك فخيار الانفصال هذا لن يحصل، لا تحاولي إقناعي فكل حجج العالم لن تفعل، نحن أهلك ونعرف مصلحتكِ لذا كوني مستعدة، الزفاف سيحصل عما قريب بعد أن أتصل بخطيبك وأخبره أنه سوء فهم وتم حله»

اكتفت هبة من سماع كل ذلك فوقفت في وسط الصالون وصرخت بحشرجة:

-«لا أريد الزواج، أريد اختيار الرجل المناسب بنفسي، الرجل الذي يستحقني حقا، لن أسمح لكم بالتحكم بي»

صرخ عليها الأب بغضب:

-«فتاة عاقة، ستندمين أشد ندم حين تدركين أن ما تفعلينه سيأخذكِ للهاوية لا غير»

ركضت هبة خارجا ولم تعرف حتى إلى أين تذهب، كان الجو باردا جزئيا بسبب تقلب الطقس مؤخرا، حتى أنها لم تكن ترتدي ملابس دافئة تحميها من البرد، كانت تركض وتركض دون معرفة الوجهة، كل ما أرادته هو العثور على مكان تستقر فيه وترتاح بمفردها لكن الشوارع والحدائق مزدحمة.

في نهاية المطاف أتتها فكرة بأن تقابل صديقتها ريماس فاتصلت بها واتفقتا على اللقاء في مطعم صغير وأخذتا تتحدثان عما حصل مؤخرا.

بعد أن استمعت ريماس لقصتها كاملة قالت:

-«أحقا أنتِ واقعة بالحب؟! ومع من؟!»

-«شخص تعرفينه»

-«أحد الشابين اللذين رافقانا في الرحلة الاستكشافية؟»

-«أجل»

-«عرفت من هو وأحسست بذلك، كلاكما تتصرفان بطريقة غريبة تجاه بعضكما»

-«هل تعنين أنه يبادلني؟»

-«لست متأكدة، من الصعب معرفة النوايا الحقيقية للرجال، لكن لا نستطيع استبعاد احتمالية أنه يحبك»

-«وماذا أفعل؟ هل أعترف له؟»

-«ليس بعد، إنتظري قليلا حتى تتأكدي من مشاعره»

-«وكيف أفعل؟»

ابتسمت ريماس بخبث وفركت راحة يديها ببعضهما كما لو أنها تفكر بأمر شيطاني وقالت:

-«هل تريدين أن أجمعكما؟»

-«وماذا ستفعلين؟»

-«تعالي، سأخبركِ بالخطة»

اقتربت من أذنها وهمست لها بما تود فعله والأخرى تومئ بالايجاب بعد كل جملة تسمعها.

بدأ الوقت يتأخر أكثر وهبة وريماس تنتظران في أحد المطاعم إلى أن جاء عبد الإله راكضا وقال:

-«مرحبا، ها قد أتيت، مالأمر الطارئ الذي استدعيتِني لأجله»

نظر لهبة فلاحظ أنها تضع كفيها على وجهها بحزن وريماس تحاول مواساتها من خلال التربيت على ظهرها وكتفيها ثم قالت:

-«الأمر بخصوص هبة، لقد هربت من البيت بعد أن تشاجرت مع أهلها»

قطب الآخر حاجبيه وقال باستنكار:

-«وما علاقتي بذلك؟!»

رفعت هبة رأسها ونظرت إليه بنظرت حادة وقالت:

-«أيها الشاب عديم الذوق، كان عليك الاطمئنان علي على الأقل ومساعدتي في إيجاد حل لمشكلتي»

-«نعم ربما هذا ما يجب فعله، لكن ظننت أنكِ لا تطيقينني»

-«نعم صحيح، لكن على الأقل تظاهر بالاهتمام»

فجأة حملت ريماس هاتفها ونظرت لشاشته وقالت:

-«عجبا! والدتي تراسلني منذ وقت لأعود للبيت، أراكما غدا رفاق»

قال عبد الإله صارخا عليها وهي تركض مبتعدة:

-«مهلا، ماذا أفعل مع صديقـ...»

وقبل أن ينهي كلامه غادرت وتركته وحده مع هبة في المطعم يتبادلان النظرات وكل منهما متوتر من بقائه مع الآخر.


عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 2:53 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1السبت مايو 07, 2022 12:06 pm

ضُرمة الشباب: الفصل الرابع



جو مشحون بالطاقة السلبية والتوتر والصمت المرعب، هذا ما كان عليه الحال في المطعم الذي تجلس فيه هبة ومقابلا لها عبد الإله الذي يحاول التحديق بعيدا متناسيا أمر التي أمامه.

بعد أن اكتفى من الصمت تحدث قائلا:

-«لا أجيد التخفيف عن الناس، لكن أخبريني تفاصيل القصة وربما يمكنني مساعدتك ردا على الجميل الذي قدمتِه لي مرتين في حياتك»

-«الأمر بخصوص أهلي، يريدون تزويجي غصبا عني، لكنني اكتفيت، لا أريد العيش كدمية بعد الآن، أريد أن أتحرر وأثبت لهما قدرتي على اتخاذ القرارات بنفسي»

-«هل هناك حقا في وقتنا من يزوج ابنته غصبا عنها!»

-«أنا مثلك متفاجئة، كنت أسير على كلامهما دون مناقشة، لكن لاحقا حين رفضت كشَفا لي عن وجههما المتحكم المتسلط الذي لم أراه سابقا في حياتي لأنني كنت مجرد دمية»

-«حسنا هذا مخيف، محظوظ أنني لست فتاة»

ثم انفجر ضاحكا على كلامه لعدة لحظات لكنه توقف بعد أن رأى عدم الاكتراث من هبة فقد كانت حزينة للغاية ولا شيء قد يضحكها، حينها قال بعد أن كتم ضحكاته:

-«آسف، أمزح حتى في المواقف التي لا تحتمل المزاح، ومالذي ستفعلينه؟»

-«سأبقى ثابتة على قراري للأبد حتى يقتنعوا»

-«سأذهب الأسبوع القادم في رحلة استكشافية فهل تذهبين؟»

أجابته بحدة بعد أن قطبت حاجبيها:

-«أهذا وقتها؟»

-«وإن لم يكن هذا وقتها فمتى سيكون مثلا؟ تبدين منهكة من الحياة، إنها فرصتك»

-«وهل تريد أن يلدغك عقرب وتموت هذه المرة؟»

-«لا، لأن وجهتي هذه المرة لن تكون داخل غابات وجبال ليبيا، بل سأزور كل العالم وكل المناطق الأثرية المعروفة؛ عجائب الدنيا السبع وكل المناطق الغريبة التي لم تطأها قدمي أبدا»

-«رحلة حول العالم؟!»

-«بالضبط، لم أغادر ليبيا سابقا لأنني انشغلت باستكشاف كل صغيرة وكبيرة فيها، لكن الآن قررت، سأوسع نطاقي وأشعل ضُرمة شبابي، أنا في أواخر العشرينات بالفعل وقد ضاعت حياتي بما يكفي، أريد التجوال، رؤية العالم من حولي، عيش المغامرات المتنوعة، وليبيا لا تسع طموحي ذاك، أريد الابتعاد أكثر»

-«مع من ستذهب؟»

-«بمفردي، لا أظن أن البقية سيغادرون ليبيا فهم لم يخططوا لذلك البتة ولم يقولوا شيئا حين حدثتهم عن الأمر»

-«أريد الذهاب»

تفاجأ الآخر من موافقتها رغم كل النقاشات التي بينهما و صرخ قائلا:

-«حقا؟!»

أومأت له برأسها أنْ نعم ثم أخرجت هاتفها من جيبها ووضعته أمامه وقالت:

-«اكتب لي رقمك، سأتواصل معك في حال واجهتني أي ظروف»

-«اتفقنا، هل تناولتي عشاءك؟»

تفاجأت من سؤاله ثم أومأت برأسها أنْ لا وواصل كلامه قائلا:

-«سأدعوكِ للعشاء إذًا، على حسابي»

احمر خداها خجلا وابتسمت ببلاهة وعندما رأى الآخر ابتسامتها شعر بالتوتر وفرك مؤخرة رأسه وقال:

-«صدقيني لست أغازلك، آسف حقا، أنا فقط...أحببت...دعوتكِ للعشاء كصديقة»

ضحكت بصوت خافت على توتره ثم أومأت برأسها أنْ نعم وقالت:

-«لا تقلق، أعلم أن نواياك طيبة، نحن الآن زملاء في عشق المغامرة وصديقان جديدان لذا لا تشعر بالحرج مني»

-«شكرا جزيلا لك على عدم إساءة فهمي»

رغم أن هبة معجبة بالقابع أمامها ولكنها تظاهرت بالبرود وعدم الاكتراث فقط حتى تخفي مشاعرها، لا مجال للاعتراف الآن فهي لا تعرفه جيدا ولا تعرف نواياه ولا إن كان يصلح حقا كشريك مستقبلي لها، لذا ستكتفي بدراسة الوضع والمراقبة وستقرر الأمر لاحقا.

عادت هبة للبيت بعد تأخر الوقت وفتحت الباب بالمفتاح ويبدو أن أهلها لم يتغاضوا عن ما حصل هذا المساء فظل كل من الوالدان ينتظرانها حتى تعود.

بعد دخولها إليهم لم تلقي لهم بالا وتوجهت نحو غرفتها ولكنهما لحقا بها فقال الأب:

-«أين كنتِ، لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل»

-«لا تسألُني هذا السؤال بالعادة فمالذي تغير اليوم؟!»

-«لأنكِ صرتِ طائشة ومتهورة، تكلمي أين كنتِ»

-«خرجت مع صديقتي لتناول العشاء»

-«حسنا، لا تكرري الأمر مجددا، لن نوافق على ذلك إلا إن كان هناك دوام ليلي في المستشفى»

-«أبي، سأخيب ظنك، لن يكون هناك دوام ليلي بعد الآن، لقد قررت الاستقالة من وظيفتي كطبيبة جراحة»

فتح الاثنان فاههما من الصدمة وصرخ الأب بغضب:

-«مجنونة! ملايين الناس يتمنون يوما واحدا في مهنتك ولكنكِ تستقيلين؟!»

-«نعم أعلم، لكنني جنيت ما يكفي من المال لأعيش حياة رغيدة لسنوات، ولهذا قررت الاستقالة، حان الوقت لأشعر أنني على قيد الحياة وأعيش تجارب جديدة مليئة بالمغامرة وأشعل ضُرمة شبابي»

-«تافهة! ما ضُرمة الشباب هذه التي تتحدثين عنها، الحياة ليست لهو، الحياة جد ومثابرة»

-«الجد والمثابرة عمل الآلات فقط، لست آلة، ولا رجلا آلي، أنا بشر، لدي حاجة للترفيه أكثر من العمل والمثابرة والروتين، لقد قررت قراري، سأستقيل وأسافر لوقت طويل»

همت هبة بجمع حقيبتها أمام ناظري والديها القلقين عليها ثم استدارت إليهما وقالت:

-«وأيضا قررت الاستقلالية والعيش بمفردي، في الغد سأذهب لاخيار منزل جديد»

طفح الكيل بوالدها فتوجه ناحيتها ممسكا ذراعها يشدها بقوة حتى آلمها وصرخ قائلا بصوت عالٍ أيقظ كل من في البيت:

-«أنتِ لستِ بخير، لستِ هبة التي نعرفها، توقفي عن ما تفعلينه لأننا لن نوافق»

ثم قالت الأم بقلق:

-«نعم نعم، لا بد أن أحدهم قام بإلقاء سحر عليك، أو أنها عين الحسود التي لامستكِ بسبب نجاحك وتفوقك، مستحيل أن ابنتنا هبة تتصرف هكذا»

ثم صرخ الأب بغضب:

-«لن تتحركي لأي مكان مهما حصل، أنتِ معاقبة، ومحتجزة حتى إشعار آخر، مفهوم؟»

ثم أخذ مفتاح غرفتها وأغلق عليها من الخارج مما جعلها ترمي بجسدها المحبط على السرير وتقول بحشرجة:

-«لا أريد هذه الحياة، أريد أن أشعر أنني حية حقا، سئمت الروتين، سئمت تحكم الناس بي، أريد...أن أشعل ضُرمة شبابي»

مرت أيام كانت فيها هبة كالعصفور الأسير في قفصه، لم تكن تغادر غرفتها إلا للضرورة وكان والداها يحرسانها ويراقبان كل تحركاتها حتى أنهما صادرا مفتاح سيارتها لكي لا تهرب، كانت تمر بأتعس أيام حياتها ولم تدري ما تفعل، عليها الأصرار والبقاء ثابتة على رأيها لكي يفهم والداها قرارها ورغباتها.

ذات يوم وهي تقلب الهاتف بملل فإذا بها تتفاجأ باتصال من عبد الإله، كانت تلك حادثة غريية فهو لم يتصل بها أبدا منذ أن حصلا على أرقام بعضهما.

قامت بالنظر للباب ثم ردت عليه بهمس وتوتر:

-«ألو!»

-«مرحبا، آسف لإزعاجك ولكنني اتصلت لإعلامك أن الغد هو موعد مغادرتي فهل ستأتين حقا أم أنكِ غيرتِ رأيك، سألت فقط حتى أرى إن كان علي حجز التذكرة الآن أم أنتظر حتى نلتقي ونتفاهم»

بسبب اتصاله اللطيف للسؤال عنها شعرت بالخجل وصارت تبتسم تلقائيا ثم قالت:

-«أود ذلك لكن عائلتي تحتجزني في المنزل»

-«أنتِ في أواخر العشرينات لكن والدكِ يحتجزك؟!»

-«بسبب إدراكي للواقع وتغييري لطريقة تفكيري فالجميع يظنون أنني مصابة بسحر أو عين»

لم يستطع الآخر تمالك نفسه فانفجر ضاحكا على سخافة الموقف مما جعل الأخرى تقطب حاجبيها وتقول:

-«حتى في المواقف الجادة لا تكف عن كونك مستفزا وغير مراعٍ للمشاعر»

فجأة تحولت ضحكاته لصمت مرعب وهدوء ثم قال:

-«أعتذر، أعلم أنه ليس وقتها لكن أردت التخفيف عنك، هل ستأتين أم لا؟»

-«لا أعلم، لا يمكنني إعطاؤك وعدا ثابتا فأنا تحت حراسة أهلي»

-«أوه هيا! ستكون الرحلة مملة بدونك»

ابتسمت هبة بخجل من كلامه بينما انتبه الآخر لما قاله دون أن يعي فحاول تصحيح الوضع قائلا:

-«أكره السفر وحدي فقط، لست أحاول مغازلتكِ أو التقرب منك»

-«حسنا، لم أقل ذلك، لكن مالحل وأنا حبيسة؟!»

-«أهربي من المنزل»

فتحت هبة عينيها من الصدمة وقالت:

-«أمجنون أنت؟! هذا يحصل في المسلسلات فقط، الواقع مختلف، إن أمسكني أهلي سأموت»

-«ألم تقولي أن حياتك روتينية مملة؟! حسنا جربي تحويلها لمسلسل وتخطي المستحيل، ثابري لأجل فعل ما تريدين فأن صمتِّي فقط واستسلمتي لرغبة أهلك فستبقين الخاسرة الوحيدة للأبد»

-«حسنا، أوافقط الرأي، سآتي، إنتظر حتى نلتقي وسنحجز التذاكر معا»

-«عُلم أيتها الطبيبة الجراحة الذكية»

-«لا تستهزأ»

-«صدقيني لست أستهزأ هذه المرة أيضا، لنلتقي غدا»

-«مهلا! قبل أن تغلق الخط أريد طلب معروف منك، هل يمكنك مساعدتي في الهروب؟ سأعطيك العنوان والتفاصيل وتعال إلي بسيارتك وساعدني في حمل حقائبي وأغراضي»

فكر قليلا في الموضوع ثم قال:

-«حسنا، لكن لا تأخذي كل المنزل معك مثل المرة الماضية»

-«لن آخذ شيئا فالسفر حول العالم مختلف عن السفر للبرية وأستطيع شراء أي شيء ببطاقتي المصرفية فلا تقلق»

-«حسنا، هذا شيء جيد، أراكي الليلة»

-«لنفعلها، لنشعل ضُرمة شبابنا»

-«أجل»

في تلك الليلة جلست هبة لتناول العشاء بمفردها في غرفتها بعد أن أحضرته لها أختها الكبرى، وبينما تأكل كانت تدرس الأوضاع جيدا وتقرأ عن السياحة والأسفار والأمور المتعلقة بها فهي أول مرة لها تسافر وعليها اكتساب الخبرة.

تأخر الوقت وعم الهدوء المنزل وهذا يعني أن أفراد عائلتها جميعا قد خلدوا للنوم وهي فرصة مناسبة لتجهيز كل شيء، فقامت بإخراج حقائبها وجمع كل ما تحتاجه من أغراض مهمة وارتدت ملابس مناسبة للتخفي بحيث لا يتعرف عليها أحد وانتظرت قليلا.

وأثناء انتظارها قامت بكتابة رسالة لأهلها تعلمهم فيها أنها بخير وستسافر لوقت طويل ولا داعي أن يتواصلوا مع الشرطة أو يبحثوا عنها فهي كبيرة قانونيا.

بحلول الثانية صباحا أرسلت رسالة لعبد الإله تخبره فيها بأن كل شيء جاهز وبقيت تنتظر رده إلى أن وصلتها رسالة كتب لها فيها: «أنا عند بيتك، اخرجي»

نظرت هبة من النافذة فلمحت عبد الإله واقفا هناك ولأنه لم يتعرف على مكان غرفتها بقي يطوف حول البيت بانتظار أن تعطيه إشارة، وبالفعل قامت بالتلويح له عبر النافذة فتعرف عليها.

ثاني خطوة قامت بها هي ربط أمتعتها في أغطية كثيرة مربوطة على شكل حبل، فغرفتها في الطابق الثاني ومن المستحيل رميها دون إصدار صوت يجذب انتباه الجميع.

فرغا أخيرا من إنزال الأمتعة وبقيت هبة، لذلك قامت بربط الأغطية في السرير وتمنت أن لا تتمزق بها وتتهشم عظامها ثم نزلت بهدوء وتروٍ وقلبها يكاد يتوقف من الخوف.

بلغت الأرض أخيرا فقفزت بسرعة من الحماس لأنها حرة، وحتى عبد الإله فرح كثيرا لأجلها.

لكن فجأة!

سمعا صوتا قريبا فحملا الأمتعة وركضا خارج سور المنزل وهما خائفان وأخيرا بلغا السيارة ووضعا الأمتعة فيها ثم تنفسا الصعداء لأن المهمة تمت بنجاح.

شغل عبد الإله سيارته وابتعد بها بينما الأخرى تشرب من قنينة الماء لتروي الضمأ الذي سببته لها هذه المغامرة الخطيرة، لو أن أهلها اكتشفوا أمرها لكانت تلك جنازتها بكل تأكيد، خاصة لو رأوها مع شاب آخر فسيظنون أنه عشيقها وأنه الشخص الذي غيرها عنهم وسيتعرض لمشاكل معهم.

واصل عبد الإله القيادة لوقت طويل في الظلام وتوجه نحو طرابلس عاصمة ليبيا استعدادا للخطوات القادمة، كان التوتر سيد الموقف، إنه لشعور غريب أن يتواجد شاب وشابة لا يعرفان بعضهما جيدا معا في ظروف كتلك، إنه القدر ومعجزاته!

حل الصباح الباكر وعبد الإله يقود السيارة أما هبة فقد غطت في نوم عميق كالغيبوبة وعند وصولهما لوجهتهما حاول إيقاظها مرارا وتكرارا لكنه استغرق وقتا لأن نومها ثقيل للغاية.

فتحت عينيها ونظرت له باستغراب لثوانٍ وقالت:

-«ماذا تفعل في غرفتي؟ هل أرسلتك ريماس لتوزع البسكويت؟»

بعد أن قامت بفرك عينيها والعودة لوعيها شعرت بإحراج شديد فاعتدلت في جلستها ورتبت شعرها ثم مسحت خيط اللعاب المقرف الذي يسيل من فاهها وقالت بإحراج:

-«انسى ما رأيته وإياك وإخبار أحد عنه»

ابتسم الآخر بلطف وأردف:

-«لا عليك، يعجبني أنكِ على طبيعتك، لا تخجلي مني فإني مدرك تماما لما يمر به الإنسان أثناء فترات النوم»

-«ماذا عنك؟ ألم تنم؟»

-«سأنام قليلا حين نحجز في الفندق»

-«حسنا»

نزلا من السيارة وتوجها لأول فندق قابلاه في طريقهما وأثناء كلامهما مع المضيفة سألتهما إن كانا سيحجزان غرفة واحدة ولكنهما نظرا لبعضهما بإحراج وقال عبد الإله:

-«لا، نحن نريد غرفتين مختلفتين»

-«حاضر سيدي»

كانت تلك المواقف التي تحصل بينهما محرجة حقا ولكن لا يمكنهما إنكار كم كانت صحبتهما ممتعة، ربما هي بُشرى سارة لقصة حب جديدة مليئة بالمغامرات.

بعد ذهابهما لغرفتهما غط عبد الإله في نوم عميق أما هبة فقد استلقت على السرير تحدق بالسقف وتفكر في رد فعل أهلها على هروبها من المنزل، لقد كانت تعلم أن هذه الحادثة لن تمر على خير ولن يسمحوا لها برؤية النور مجددا لو أمسكوا بها ولذلك عليها الحذر والحيطة إلى حين مغادرة ليبيا.

فتحت هاتفها بتململ بعد أن كان مغلقا لساعات فوجدت عشرت الرسائل الصوتية من عائلتها ولكن من شدة خوفها لم تستمع لأي منها وأعادت إغلاق الهاتف.

حان وقت تناول وجبة الغداء فسمعت طرق الباب وعندما فتحت وجدت عبد الإله واقفا أمامها فقال:

-«إنه وقت الأكل، لنخرج ونأكل»

-«ألن نأكل هنا في الغرفة؟!»

قال الآخر وهو يفرك مؤخرة رأسه بتوتر:

-«ألن يكون الأمر محرجا أن ننفرد ببعضنا في غرفتك؟»

فهمت هبة مقصوده وشعرت بالإحراج ثم غادرت بصحبته لمطعم في الخارج وطلبا الطعام ليأكلاه بينما تفتح حاسوبها على موقع حجز التذاكر الليبي، ثم قالت:

-«ما أول وجهة لنا؟»

-«ما رأيك؟ الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم اليابان؟ أم الهند؟ أم فرنسا؟ أم روما...»

فجأة وهو يتحدث عن كل تلك البلدان راودتها ذكرى من طفولتها حول طفل صغير في الحضانة، كان يتمتم بأسماء تلك المدن واحدة تلو الأخرى ويخبرها أنه يريد زيارتها جميعا.

استفاقت من شرودها مباشرة ثم قالت:

-«أنت هو، ذلك الطفل من الحضانة، لقد تذكرت»

-«وأخيرا تذكرتي! الحمد لله! ظننت أن هذا لن يحصل»

-«أقترح أن نزورها بالترتيب، بما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الأولى فلنقم بزيارتها أولا»

-«حسنا، احجزي لنا تذكرتين»

قامت هبة بحجز التذاكر عن بعد بسعادة ثم أنهت طعامها مع عبد الإله وانتظرت للمساء حتى حان موعد الرحلة ثم توجهت للمطار لتجهيز بقية الترتيبات من أجل مغادرة الوطن.



عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 3:01 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1السبت يونيو 25, 2022 5:39 pm

ضُرمة الشباب: الفصل الخامس



رن جرس المنبه العالي معلنا عن بداية يوم جديد محفوف بالمغامرات في غرفة الفندق الذي تقطن به هبة.

فتحت هذه الأخيرة عينيها بتثاقل وتأففت من الإزعاج ثم أطفأت المنبه وعادت للنوم، كانت مستيقظة طوال الليل بسبب الأرق وها هي ذا تخرب يومها بالنوم المتأخر.

فجأة سمعت صوت طرق شديد على الباب ولم يتوقف ذلك الصوت حتى تسبب لها بالعصبية الشديدة لذا نهضت وأقسمت أنها ستمسح الأرض بوجه الطارق أيًا كان.

نهضت بخطوات جامحة كثور هائج وحاجبين مقطوبين وتكشيرة مرعبة وتوجهت نحو الباب وفتحته بقوة فإذا بها تجد عبد الإله مع أغراضه وحقائبه يحدق بها باستغراب، فجأة تحولت تكشيرتها لصدمة وقالت بهدوء:

-«لا تقل أننا...»

ثم صمتت صمتا مرعبا لعدة دقائق ثم ضربت وجهها بقوة وصرخت صرخة مدوية سمعها كل من الفندق قائلة:

-«يا إلهي! لدينا رحلة الآن، لنسرع، أين ملابسي؟ أين جوازي وتذكرة الطائرة؟ أين أغراضي؟»

ركضت بأقصى ما لديها نحو الخزانة وقامت بتكوير كل الملابس والأغراض التي فيها ووضعتها في الحقيبة دفعة واحدة وحاولت إغلاقها لكن الملابس بقيت ظاهرة على الجوانب مما سبب صعوبة في إغلاقها وهذا ما زادها قلقا وجنونا.

قامت بسرعة بتغيير ثيابها وحملت حقيبة يدها تضع فيها الأهميات من هاتف وشاحن وسماعة ووثائق ومحفظة نقود، أما مستحضرات تجميلها وبعض المجوهرات الرخيصة فقد تركتها هناك وركضت خارحا نحو عبد الإله وقالت:

-«ها أنا ذا جاهزة، لننطلق»

نظر لها من رأسها لقدميها فلاحظ أنها لم تمشط شعرها حتى وملابسها ما تزال فوضوية من سرعة ارتدائها لها، حتى وجهها لم تغسله وهناك خيط لعاب يتدلى منها، حينها هز كتفيه بقلة حيلة وتنهد وسار أولا ثم لحقت به.

خطوتهما التالية كانت التوجه للمطار، وأثناء الطريق بالسيارة إلى هناك قدم لها مناديل ورقية لتمسح وجهها جيدا وبالفعل شعرت بالخجل من الأمر كونها معجبة به.

وصلا للمطار أخيرا ونفسهما يكاد ينقطع من شدة الركض ولحسن الحظ لحقا بالطائرة في آخر لحظة وقدما التذكرة وقاما بالإجراءات اللازمة ثم جلسا في مقعديهما بجانب بعضهما.

نظرت هبة نحوه وابتسمت ونظر لها هو الآخر وقال:

-«ها قد بدأت رحلتنا، هل تشعرين بالندم لأنكِ هنا؟»

أومأت برأسها أنْ لا وأردفت:

-«أبدا، ولا أعتقد أنني سأندم»

-«حين نصل سأكون دليلك السياحي»

-«هل تعرف الولايات المتحدة الأمريكية جيدا؟»

-«بصراحة لا»

ضربت رأسها بيدها بإحباط وكانت ستركله لو أتيحت لها الفرصة لكنها تمالكت نفسها وقالت بتجهم:

-«إذًا لماذا تريد أن تكون دليلي وأنت جاهل مثلي؟»

-«لأنها تجربة جديدة، تماما مثل المغامرة، سنسير عشوائيا ونرى ما سيحصل»

-«لست مطمئنة لأفكارك»

-«ولا أنا»

ومجددا قطبت هبة حاجبيها وتمنت لو تستطيع نتف شعره، بعد لحظات أردف وهو مبتسم:

-«أمازحك، قبل أن نأتي درست وجهتنا جيدا وفعلت كل ما بوسعي لكي أبقيكِ بأمان معي، هذا ما يجب فعله، علي أن أكون مسؤولا فأنتِ أمانة في رقبتي الآن وإن حصل لكِ مكروه فلن أسامح نفسي»

-«وماذا لو لم أكن معك؟»

-«كنت سأتهور كالعادة وآخذ نفسي لمصيبة أكبر بسبب غبائي»

انفجرت هبة من الضحك دون توقف وقالت في النهاية:

-«وتعترف أنك غبي!»

-«أجل، رحم الله امرئا عرف قدر نفسه، أعتقد أنكِ ستواجهين الكثير من المشاكل بسبب غبائي في هذه الرحلة لذا استعدي جيدا»

انفجر كلاهما من الضحك وأمضيا الرحلة وهما يتحدثان بسعادة، كانا مستمتعين للحد الذي جعلهما لا يشعران بطول الرحلة، بل وتمنيا أن تطول أكثر فتلك فرصة رائعة للتعرف على بعضهما.

ساعات مضت من الإقلاع ووصلت الطائرة أخيرا لبر الأمان وكانت الوجهة هي مطار واشنطن.

نزلت هبة من الطائرة فشعرت بكل عظامها تؤلمها من كثرة الجلوس فتمددت تمديدة طويلة وصارت تقفز وتطوف في دوائر لتمرن نفسها ونسيت أن عبد الإله يقف خلفها وعندما استدارت وجدته يحدق بها باستغراب فتنحنحت واعتدلت، حينها قال هذا الأخير:

-«لا عليك، أنا أيضا كنت سأفعل مثلك بمجرد وصولي»

حدقت فيه بصمت ورمشت بعينيها، ولأجل أن يقنعها أن كلامه حقيقي صار يدور أيضا في دوائر ويقفز ويمارس الرياضة، حينها تنحنحت مجددا وسارت في طريقها فلحقها وهو يصرخ:

-«إلى أين؟»

-«لا أعلم، أخبرني أنت»

-«نحن الآن في مطار دالاس الدولي الواقع في مدينة واشنطن»

-«ومالخطة؟»

-«أخبريني أنتِ ما المكان الذي تريدين زيارته أولا»

توقفت هبة عن السير ونظرت له بابتسامة مشرقة وقالت:

-«جزيرة هاواي، هناك حيث الشاطئ وأشعة الشمس الذهبية والمناظر الخلابة والدلافين»

-«الدلافين لن تأتي إليكِ بمجرد رغبتك في ذلك»

-«ستأتي حتما، أنا متأكدة»

-«لا أفهم لما سنضيع الوقت بالسفر والذهاب لشاطئ عادي بينما يمكننا البقاء في ليبيا فلديهم شاطئ هناك»

قطبت حاجبيها بانزعاج ثم أكملت السير فعرف الآخر أن كلامه أغضبها لذا لحق بها وهو يصرخ أن تتوقف، وبالطبع لم تتوقف لأجله بل زادت سرعة خطواتها مما جعله يركض خلفها من داخل المطار حتى البوابة الرئيسية.

بسبب كون هبة شخصية متسلطة قامت بفرض رأيها عليه غصبا وبهذا حددا وجهتهما التالية وهي جزيرة هاواي، فلم يرتاحا بالقدر الكافي بل بدآ مباشرة في حجز تذكرة السفر جوا وقد استغرق منهما الأمر بعض الوقت إلى أن تم ضبط كل شيء.

أنهيا أخيرا كل التجهيزات واستقلا الطائرة المؤدية لهناك وعند وصولهما وجدا الشمس قد غربت وهما متعبان من السفر بما يكفي فناما في المطار على الكراسي وكان نوما غير مريح البتة ولكن ما مرا به جعلهما يفقدان الوعي تماما ويكونان على أوج الاستعداد للنوم في بركة مياه دون أن يشعرا.

مرت تلك الليلة على خير ورن منبه الساعة السادسة صباحا والذي ضبطه عبد الإله حتى يحدد موعد استيقاظه، وعندما استيقظ نظر من حوله فوجد هبة متكئة على كتفه غائصة في نوم عميق، كان منظرها لطيفا فلم يشأ إيقاظها ولكنها استيقظت بنفسها بالفعل ونظرت له بعينين ذابلتين ثم انتفضت بعد أن أدركت الوضع.

ابتسم بخفة على لطافتها وقال:

-«صباح الخير»

ردت عليه بخجل وقد احمرت وجنتاها:

-«صباح الفل»

-«إنها السادسة، يجب أن نمضي»

-«حسنا، هيا بنا»

توجها خارج بوابة المطار ونظرت هبة من حولها فانبهرت من المنظر، هناك شاطئ أزرق سماوي يمتد على مد البصر على بعد كيلو مترات منها، وشواطئ ذهبية يمكن رؤيتها بسهولة تبعث الاسترخاء في نفس الإنسان، هناك أيضا غابات وأشجار ومناظر لا مثيل لها، كانت تلك الجنة دون أدنى شك.

قال عبد الإله بعد أن رأى ردة فعلها:

-«هيا بنا، سنراها كلها»

صعدا الحافلة فاتجهت بهما جهة الشاطئ وقاما بحجز غرف خاصة، وحين أخذتهما المضيفة للغرف تفاجأت هبة أنها كوخ خشبي مثبت فوق الماء يمكنك رؤية كل شيء في الأسفل من شدة صفائه.

ركضت بسرعة داخل الكوخ فوجدت به سريرا وخزانة والمكان كله مصنوع من الخشب كمنازل الدمى، من شدة حماسها ركضت وخرجت من هناك تستنشق الهواء النقي بسعادة ثم صرخت صرخة واحدة:

-«هاواي! ها أنا ذا هنا»

جلست على حافة الكوخ الخشبي وقدماها تتدليان للأسفل تلامسان المياه الصافية الدافئة وكلها فرح وسرور بهذه الرحلة الرائعة.

بعد أن جلست بمفردها لفترة جاء عبد الإله نحوها بعد أن ترك أغراضه في غرفته وجلس بجانبها وكلا رجليهما تتدليان للأسفل.

بعدها قال بسعادة بينما ينظر لأمواج الشاطئ المتدفقة:

-«أعجبكِ المكان؟»

-«كثيرا»

-«أنا أيضا غيرت رأيي في هاواي، ليست كشواطئ ليبيا»

-«متى سننطلق للاستكشاف يا زميل؟»

-«في أي وقت تريدين، حتى هذه اللحظة لو أردتِ يا زميلة»

ردت هبة بحماس شديد:

-«رائع! ماذا ننتظر؟»

من شدة حماسها ركضت للداخل وغيرت ثيابها ووضعت قبعة شمسية ونظارات ثم خرجت لعبد الإله بحماس فأومأ لها برأسه أنْ نعم ثم انطلقا ومعهما دليل سياحي وخريطة هاواي.

بدأت رحلتهما السياحية فتوجها أولا بالحافلة إلى شواطئ هاواي وتناولا الغداء في إحدى المطاعم المطلة على شاطئ البحر، وبعد أن فرغا من شلك توجها لرؤية المساحات الجبلية والخضراء الموجودة هناك وبالفعل كان مشهدا لا مثيل له.

في نهاية اليوم عادا للجلوس على الشاطئ على إحدى الصخور العملاقة وهما ينظران للشمس تغرب وفي تلك اللحظة قررت هبة الاعتراف بمشاعرها له لذا تنحنحت لتلفت انتباهه وقالت:

-«اسمع، نحن نعرف بعضنا منذ شهر تقريبا، قد تكون مدة قصيرة لكن ما رأيك بأن...»

فجأة رن هاتفه مخربا تلك اللحظة ومحطما الشجاعة التي حاولت الأخرى بناءها، فأخرج هاتفه من جيبه وتفقد الاتصال ثم رد عليه قائلا:

-«أهلا صديقي، وأخيرا ترد علي؟ حسنا شكرا لك، سأرى بشأن الأمر وأتواصل معك»

قطبت هبة حاجبيها وقالت:

-«من هذا؟!»

-«إنه صديق لي يعيش هنا في هاواي وقد طلب مني الذهاب لزيارته والبقاء عنده»

-«ولماذا لم يطلب منك ذلك قبل أن نحجز غرفا خاصة؟»

-«نعم هو دائما متأخر لذا دعينا منه»

-«ليس جيدا أن تكسر بخاطره لذا هيا اذهب لرؤيته»

-«لا يمكنني تركك هنا بمفردك، ماذا لو أصابكِ مكروه أو ضعتِ»

-«وماذا تقترح؟»

-«لنذهب معًا»

فكرت هبة لبعض الوقت ثم هزت كتفيها فليس لديها أي خيار آخر.

توجها كلاهما بالحافلة للمكان الذي يعيش فيه صديق عبد الإله وكان لديه سكن خاص على شاطئ البحر، رنا جرس الباب فخرج إليهما شاب عاري الصدر ذا جسد رياضي مغطى بالوشوم كليا وعندما رأته هبة استدارت من الخجل، بينما عانقه عبد الإله بحرارة مُرحبا به وقال:

-«صديقي! وها قد التقينا أخيرا»

-«مسرور برؤيتك، مرت سنوات»

فصلا العناق ثم نظرا لهبة وقال عبد الإله:

-«أولا ارتدي شيئا، ثم أعرفك على هبة، إنها صديقتي»

بقيت هبة تعطيه ظهرها ثم قالت في خجل:

-«تشرفنا»

ثم قال عبد الإله:

-«وهذا صديق طفولتي هشام، إنه ليبي وقد انتقل للعيش هنا قبل عشر سنوات تقريبا»

نظر هشام لهبة من رأسها لقدميها ثم صفر ببطء وقال:

-«هذه الفتاة صاروخ»

رفع عبد الإله أحد حاجبيه بانزعاج وقال:

-«ألن ترتدي قميصك؟ وأيضا ألن ندخل؟»

رد عليه هشام:

-«طبعا، تفضلا هيا»

دخل ثلاثتهم السكن فتوجه هشام مباشرة للخزانة وارتدى قميصا من غرفة نومه الموجودة في الطابق العلوي بينما جلس كل من عبد الإله وهبة على الأرائك يرتاحان من رحلة الحافلة، كان الوقت آنذاك منتصف الليل تقريبا لذا عليهما النوم مباشرة.

نظرت هبة لفخامة السكن من حولها وهمست في أذن عبد الإله:

-«صديقك ثري على ما يبدو»

-«صدقيني لا أدري، أنا مثلك متفاجئ مما أراه»

بعد دقائق نزل هشام من الطابق العلوي مرتديا قميصه وأحضر لهما بعض الفواكه والعصير، نظرت هبة لطبق الفواكه فبدا لها شكلها غريبا وغير مألوف والشيء الوحيد المعروف بينها هو فاكهة الكيوي لذلك أخذت الشوكة وأكلت منها عدة لقيمات.

جلس هشام معهما وابتسم لهبة فشعرت بعدم الراحة ثم نظر لعبد الإله وقال:

-«أيها النذل، لديك حبيبة فاتنة»

كانت هبة تبتلع الكيوي ففاجأها كلامه واختنقت وصارت تسعل، وبينما نفسها مقطوع كانت تحاول الكلام قائلة:

-«على أي أساس جعلتني حبيبته؟ لست كذلك، نحن مجرد زميلين مشتركين في حب المغامرة»

ثم قال عبد الإله بخجل:

-«أجل ما قالته هبة صحيح، أنا وهي مجرد صديقين»

ابتسم هشام بخبث وقال:

-«خبر رائع! يمكنني إذًا التقرب منها دون قلق»

صرخت هبة بتوتر:

-«ماذا؟!»

كانت تلك الحادثة هي ما أشعل نار الانزعاج في قلب عبد الإله فقطب حاجبيه وقال:

-«دع الفتاة وشأنها، من قال لك أنها تريد الارتباط؟ حان وقت نومها وهي متعبة لذا أخبرني أين ستنام»

أشار له هشام لغرفة في الطابق العلوي فأمسك هبة من ذراعها وأخذها إلى هناك وأدخلها الغرفة وغادر دون أن يقول أي شيء وأغلق الباب خلفه.

نظرت هبة في الغرفة من حولها فوجدتها مجهزة تماما لتكون مكانا للنوم، جلست على السرير بتوتر ووضعت يديها على وجهها وصارت تتذكر الحادثة المحرجة التي حصلت قبل قليل، أمر ذلك المدعو هشام غريب حقا ولن تستطيع البقاء مرتاحة ما دامت معه في نفس المنزل.

في النهاية حاولت الخلود للنوم وللأسف لازمها الأرق طوال الليل مما جعل ليلتها مرهقة وصعبة، فقد كان من الصعب جدا النوم هناك بينما رجل غريب يطوف بالمنزل وقد يدخل عليها في أي لحظة.

أشرقت شمس صباح اليوم التالي فنهضت بطلتنا ورتبت السرير ثم نزلت للأسفل ووجدت عبد الإله ممددا على الأريكة يلعب بهاتفه وقال:

-«صباح الخير»

-«صباح النور»

-«هل حظيتي بنوم مريح؟»

-«الحقيقة لا، هناك أمر يوترني أريد الكلام معك عنه»

جلست معه على الأريكة فاعتدل واستمع لها باهتمام، كانت هذه اللحظة التي ستخبره فيها عن انزعاجها من صديقه هشام وكلامه بالأمس وتعترف له بحقيقة مشاعرها، ولكن قاطعهما هذا الصديق المتطفل مجددا وهو يدخل المنزل ومعه كيس من المشتريات وضيف آخر قادم.

قطبت هبة حاجبيها من الانزعاج ونظرت للضيف فوجدتها فتاة أمريكية شقراء فاتنة ترتدي ملابس فاضحة ومن غير المريح رؤيتها على تلك الحال.

قال هشام وهو يلقي الأكياس على الطاولة:

-«ها قد وصل الإفطار، بصحتكم»

ثم وضع ذراعه على الفتاة معانقا إياها وقال:

-«أعرفكما بسيلينا، قابلتها قبل قليل في السوق ووافقت أن تشاركنا الفطور»

قطب عبد الإله حاجبيه وقال:

-«قابلتها للتو فأتت معك للمنزل؟!»

انفجر هشام ضاحكا وقال:

-«أنت أيضا أحضرت معك فتاة إلى هنا فلا تتظاهر بالبراءة والتحفظ»

كانا كلاهما يتحدثان العربية لذلك لم تفهم سيلينا منهما شيئا فبقيت تحدق بهما باستغراب وقالت بلغتها الإنجليزية:

-«عفوا! أيمكنكم الحديث بطريقة أفهمها؟»

حينها قال هشام:

-«لا عليكِ عزيزتي، كنا نتحدث عن الفطور، ماذا تحبين أن تأكلي؟ دونات أم عصير فواكه؟»

-«عصير فواكه لو سمحت»

-«حينما ننتهي من الفطور لنذهب للشاطئ ونلعب كرة الطائرة مع الشباب»

قالت سيلينا بحماس:

-«موافقة، أعشق كرة الطائرة على الشاطئ»

ثم نظر عبد الإله لهبة فوجدها غير مرتاحة وقال:

-«هبة، هل تحبينها؟»

-«أجل، الرياضة الوحيدة التي أعشقها وأجيدها هي كرة الطائرة»

-«ممتاز، لنجعل هذا اليوم يوما مميزا »

أخرج كل منهم طعامه من الكيس وبدأوا بتناوله وللأسف فشلت خطة هبة في الاعتراف ذلك اليوم لذا أجلت الأمر لوقت آخر.



عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 7:27 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1السبت يونيو 25, 2022 6:17 pm

ضُرمة الشباب: الفصل السادس



استقل الشباب الأربعة هبة، عبد الإله، هشام وسيلينا سيارة خاصة كانت ملكا لهشام وكانت سيارة فارهة ليس لها غطاء علوي، وأثناء طريقهم للشاطئ كانت الرياح الهادئة ورائحة البحر ترتطم بأجسادهم لتجعل الوضع حماسيا لحد الجنون.

وقفت هبة وجلست على أعلى الكرسي ورغم أمواج الهواء الشديدة فهي لم تكترث بل رفعت يديها لأعلى وأغمضت عينيها وبقيت تتحسس الرياح التي ترتطم بها بينما شعرها يتدلى للخلف في مشهد مذهل.

وصلوا لوجهتهم أخيرا وهي ملعب كرة طائرة موجود على شاطئ البحر وكان هناك الكثير من الشباب الوسيمين مفتولي العضلات والفتيات الأمريكيات اللواتي اكتفين بارتداء ملابس السباحة فقط.

نزل الأربعة من السيارة وتوجهوا للملعب فرحب بهم الجميع، ولأن هبة ترتدي ملابس عادية مستورة فقد قال أحد الشباب بنبرة ساخرة:

-«ألا تشعرين بالحر يا فتاة؟ ألا أدلك على أقرب متجر لملابس السباحة؟»

ثم انفجر من الضحك وانفجر معه الجميع وهذا ما جعل هبة تشعر بالإحراج وكذلك عبد الإله انزعج لأجلها وكان سيتدخل لولا أنها قالت:

-«حتى وأنا أرتدي ملابس قطنية فسأفوز عليك»

أعجب ذلك الشاب بردها فحمل الكرة وقال:

-«مواجهة؟ فريقي ضد فريقك؟»

-«وهل ستجرُأ على مواجهتي؟»

شهق الجميع من حولهم وانفجروا من الضحك مما زاد الجو إثارة، ثم مد الشاب يده لهبة ليصافحها وقال:

-«لنرى»

بادلته هبة المصافحة وتم تقسيم الفريقين بحيث لعبت هبة مع عبد الإله وهشام وسيلينا في فريق واحد وضدهم الشاب المغرور وصديقه وفتاتين لتكون المبارزة عادلة.

صفر الحكم وبدأت المباراة ورمت هبة الكرة أولا وكانت رميتها قوية بالفعل مما أدهش الجميع، فرغم نحافة جسدها لكنها تخفي في داخلها قوة خارقة.

وبالفعل قامت حرب ضروس في ساحة كرة الطائرة وبذل الجميع جهدهم ولكن يبدو أن هبة كانت بالمرصاد حيث كانت أكثر دهاءا وسرعة من الجميع فقادت فريقها للفوز وأفحمت الفريق المنافس.

في نهاية المباراة وقفت مقابلة للشاب المغرور فابتسم لها وصافحها وقال:

-«لقد فاجأتِني، نزال جيد حقا، لقد استهونت بك، ما العقاب؟»

-«أي عقاب؟»

-«اختاري عقابا يناسبك وسأنفذه مقابل خسارتي»

-«أوه حسنا، أريدك أن تشتري لي المثلجات ولفريقي أيضا فنحن نذوب من الحر هنا»

انفجر الخصم من الضحك ثم هز رأسه موافقا واشترى لأربعتهم المثلجات.

جلست هبة مع عبد الإله على جانب الملعب يتناولان المثلجات بينما انهمك الآخرون في اللعب واللهو، وبما أنهما وحدهما فقد قررت أن تعترف له بمشاعرها فهذا هو الوقت المناسب بالذات.

نظرت إليه بعينين لامعتين وابتسمت وقالت:

-«عبد الإله، اسمع»

نظر لها وأنصت بكل جوارحه فقد بدت نبرة صوتها جادة جدا، حينها قالت بهدوء:

-«هل تفكر في...»

فجأة قاطعتها كرة طائرة ضربتها للوجه فأسقطتها للخلف وانسكب كوب المثلجات على بطنها في مشهد مضحك ومحرج، من شدة إحراجها تجمدت مكانها على نفس الوضعية لدقائق تحاول البحث عن حل لتفادي هذه الفضيحة.

كان عبد الإله شخصا سخيفا لذا انفجر من الضحك عليها بهستيرية وصار يتشقلب يمينا وشمالا ويضرب الكرسي بيديه، باختصار كاد يختنق.

نهضت هبة من على الأرض ورمقته بنظرة حادة ولكنه رغم ذلك لم يتوقف لذا صرخت عليه بغضب:

-«يا عديم الذوق! أيها المزعج النذل، بدل مساعدتي تضحك؟»

-«كل السقطات مؤلمة إلا سقطتك، إنها تقتل من الضحك»

-«هكذا إذًا؟! لنرى حين تسقط أنت أو تصيبك كرة يد طائرة في وجهك، سنرى من سيساعدك»

استدارت مبتعدة عنه وهي تضرب الرمل تحت قدميها بقوة كثور هائج مستعد لضرب أي أحد أمامه، عادت لمنزل هشام وبقيت هناك لساعات وحدها إلى أن عاد هشام أيضا.

عندما وصل هذا الأخير ورآها تفاجأ فقد ظنها في الخارج مما جعله يقول:

-«تتركين الشاطئ واللهو في الخارج وتأتين هنا!»

-«أجل، تعرضت لإصابة في وجهي وهو يؤلمني لذا لن أستطيع البقاء خارجا أكثر»

-«دعيني أرى»

اقترب منها ووقف أمامها يتفحص وجهها فوجد جرحا بسيطا عند أسفل شفتيها، وبالطبع كانت خائفة منه لحد الموت لكنها تظاهرت أنها بخير.

بعد أن انتهى من تفحصها قال بهدوء:

-«لديكِ شفاه جميلة»

كانت تلك هي الحادثة التي جعلتها ترتجف من الخوف، فقد ظنت أنها الآن في خطر وخاصة أنهما وحدهما، ولكن بعد لحظات توجه هشام للمطبخ وأردف:

-«ماذا تتناولين للغداء؟»

ردت عليه بنبرة مرتجفة:

-«أي شيء»

-«هناك وجبة سلطعون البحر منذ الأمس، سأسخنها في المايكرويف وآتي»

حين فتح الثلاجة تمكنت هبة من رؤية ما بداخلها من خلال باب المطبخ المفتوح، وكما كانت تعتقد بالذات فهي مليئة بالمشروبات الكحولية، هذا واضح من طريقة حياة هشام فقد استولت عليه الثقافة الغربية بل تكاد تجزم أنه عربي حتى من تصرفاته وشكله وأسلوب حياته.

سخُن الطعام فأتى به هشام نحو غرفة المعيشة ووضعه على الطاولة أمام هبة وجلس بجانبها يحدق بها بابتسامة مخيفة ثم قال:

-«تفضلي بالأكل»

ابتلعت ريقها وشعرت بعدم الراحة منه، كان أول مخاوفها أنه وضع لها منوما في الطعام ليستغل وجودهما معا، قد يكون الأمر صحيحا وقد لا يكون لكنها فتاة حذرة وجبانة فيما يتعلق بهذه المواقف.

لحظات وهي تحدق بالطبق بشرود إلى أن قال هشام:

-«مالأمر؟ ألم يعجبك؟»

-«أبدا، لم آكل السلطعون في حياتي ولهذا لا أعرف حتى كيف يؤكل»

-«سأريك»

حمل قطعة من طبقه والتهمها أمامها ثم ابتسم وهو ينظر لها منتظرا أن تفعل المثل، في النهاية قطبت حاجبيها وقالت بصوت مهتز:

-«أعتقد أنه لن يعجبني، لنتركه لعبد الإله فهو يحب التجارب الجديدة»

-«كما ترغبين أيها الفاتنة»

تنهدت هبة بقلق ثم قالت:

-«أنا متعبة من حرارة الشمس لذا هل تأذن لي بالانصراف والنوم؟»

-«أود ذلك، لكن قبل أن تغادري أريد الحديث معك»

-«تفضل»

-«أتعلمين؟ منذ رأيتك أول مرة شعرت ببعض الحماس، هل تعرفين ماذا يعني ذلك؟»

تنحنحت وقالت بينما تحاول البقاء هادئة:

-«لا أعرف، لكن هل أنت متأكد أنك تريد إخباري؟»

-«أجل، أكثر من أي وقت مضى، إنها فرصة ذهبية بما أن ذلك المتطفل عبد الإله غير موجود ويمكننا أخذ راحتنا»

-«متطفل!»

-«بل وأكثر من ذلك، إنه مزعج وأظن أن عينه عليك أيضا، لذا سأسبقه وأسرق قلبك»

فركت هبة مؤخرة رأسها بتوتر وقالت:

-«متأكد أنك تتحدث عن عبد الإله الذي أعرفه؟ لكنه حقا غير مكترث لأمري، نحن مجرد زميلين في حب المغامرة ولا أعتقد أنه سيفكر في أمري أكثر من ذلك»

-«حسنا هذا لا يهمني، دعينا نعد لموضوعنا، أنتِ فتاة جميلة، مثيرة، ذكية، عفوية، والأهم من نفس جنسيتي وبلدي، سيسرني لو نبدأ علاقة حب منذ الآن»

-«لكن...أنت لست نوعي مطلقا، لا أحب الأشخاص المدللين، الأثرياء، المغرورين، المترفين...»

فجأة وضعت أصابعها على شفتيها بعد أن أدركت أنها ارتكبت كارثة وقالت كلاما ما يجب قوله، حينها رد عليها هشام بينما يرفع أحد حاجبيه استغرابا:

-«هل حقا ترينني كل ذلك؟»

-«لا...أقصد لا أعلم...أقصد كل ما في الأمر أن أسلوب حياتك يختلف عن أسلوب حياة الليبيين بأشواط»

-«وما همك بأسلوب حياتي؟ أنتِ تريدينني أنا صحيح؟»

رمشت بعينيها باستغراب وقالت:

-«ومن قال أنني أريدك؟!»

-«أعلم ذلك، أصلا مع كل ما لدي كيف لكِ أن ترفضيني»

-«فهمت، بسبب حياة الأمريكان المترفة أصبحت ترى أن كل الفتيات سلع يمكن شراؤهن بالمادة، أعتذر منك ولكنك مخطئ، رغم كل ما لديك فمازلت أراك شخصا مدللا ومترفا، والآن لا تحدثني مجددا لأنني قد أقول لك كلاما لا يعجبك»

قامت من على الأريكة لتصعد لغرفة النوم لكنه أمسكها من ذراعها وحاول إبقاءها هناك غصبا وهذا ما جعلها تخاف وتصرخ وتقاوم.

في نفس اللحظة لحسن الحظ عاد عبد الإله للسكن فسمع صراخها وهرع للداخل وأول ما فعله أنه حررها من هشام ووجه له لكمة قوية أسقطته أرضا ثم أخفى هبة خلفه وصرخ غاضبا:

-«ما خطبك يا زير النساء الوسخ الحقير؟ حتى هذه الفتاة لم تتركها بحالها رغم أنها محترمة ومن مظهرها تبدو وكأنها ليست من ذلك النوع الوسخ الذي تنجذب إليه؟»

مسح هشام شفته السفلى التي اختضبت بالدم الناتج عن نزيف لثته ثم رد اللكمة لعبد الإله وكانت لكمته أقوى فهو يتدرب على الملاكمة باستمرار وحائز على كثير من الميداليات فيها، وبالطبع كان جسد عبد الإله هزيلا مقارنة به وإن دخل معه في شجار فواضح من هو الخاسر، ورغم ذلك لم يسكت على الموضوع وحمل مزهرية فخارية رآها بجانبه وكان سيبدأ القتال لولا أن هبة تدخلت وعانقته بقوة من الخلف مشابكة أصابعها بقوة حتى لا يتحرر وضغطت عليه وهي تصرخ بخوف:

-«توقف، رجاءا، أرجوك، أتوسل إليك، بحق الله الواحد الأحد لا تفعل ذلك»

كان عبد الإله يتنفس بقوة كثور جامح لكن عناقها اللطيف ذاك جعله يهدأ نسبيا ويرمي الزهرية الفخارية جانبا، بعدها استدار نحوها فوجدها على وشك البكاء، كان اليأس يتملكها وملامح وجهها منكسرة وبائسة وعيناها اغرورقتا بالدموع لكنها تحبسها لكي لا تزيد انزعاجه أكثر.

توجه مباشرة نحو غرفة نومها التي في الأعلى وأحضر حقائبها وحقائبه من غرفة النوم الخاصة به أيضا ثم جرها من ذراعها ليخرجا من ذلك السكن.

استقلا الحافلة ذاهبين لأقرب فندق وطوال الطريق كان كلاهما صامتين وكانت هبة تلعب بأصابعها بتوتر وملامح وجهها حزينة ومنكسرة، وهذا ما أحزن عبد الإله فحاول جاهدا قول أي شيء لتحسين الأمور لكن لم يعرف من أين يبدأ.

دقائق وهو يحاول الكلام وفي النهاية نبس:

-«آسف لتركك بمفردك»

بسبب كلمته تلك نزلت دمعة من عينها فمسحتها بسرعة وقالت:

-«بل أنا آسفة لذهابي لمنزله رغم أنني أعرف أنني سأكون بمفردي هناك»

-«وأنا آسف لإحضارك لذلك المكان رغم أنني رأيت تصرفات شنيعة من صديقي ذاك، كنت أناني لأنني لم أغادر»

-«وأنا آسفة لأنني غضبت منك لأجل شجار تافه، من الطبيعي أن تضحك حين ترى كرة طائرة ترتطم بوجه شخص يأكل المثلجات، لو كنت مكانك لضحكت»

-«جيد أنكِ أيقنتِ ذلك»

فجأة رفعت رأسها ونظرت له بنظرة حادة وأخرجت شفتها السفلية بلطف كما يفعل الأطفال حين يغضبون، وقالت:

-«عديم ذوق، على الأقل خفف عني»

-«لست بارعا في التخفيف عن الناس»

ثنت ذراعيها بانزعاج واستدارت لزجاج النافذة الحافلة وبقيت كذلك تحاول تجاهله فانفجر من الضحك على شكلها وتصرفاتها الطفولية وقالت بنبرة لطيفة:

-«ما ألطف عفويتك!»

ثم وضع إحدى ساقيه على الأخرى وأغمض عينيه منتظرا الحافلة أن تصل لوجهتها، لكن الأخرى تحولت ملامحها مئة وثمانين درجة بعد سماعها لتلك الجملة اللطيفة منه، بل ونسيت كل الأمر وابتسمت ابتسامة لطيفة لم تستطع إخفاءها طوال الرحلة.

مر ذلك اليوم بلمح البصر وفي الصباح الباكر استيقظت هبة من النوم وأول ما كانت تسمعه أصوات أمواج البحر المريحة وأصوات طيور اللقلق، قامت من فراشها واغتسلت وتجهزت ثم ذهبت لغرفة عبد الإله وطرقت الباب فخرج إليها وقال:

-«صباح الخير، هل أنتِ راضية عني الآن جلالة الملكة؟»

-«أجل، تمام الرضى، لا تظن أنني حقودة، رغم ان أحدا غيري لن يحتملك لثانية واحدة»

-«صحيح، حتى أنا أوافقك الرأي في ذلك»

-«ما خطة اليوم؟»

-«جهزت لكِ خطة مذهلة، سنحقق الحلم الذي تمنيناه طوال طفولتنا، احزري ماذا سنفعل»

-«تقصد حلم السفر حول العالم؟»

-«لا، غير ذلك، إنه حلم حلم به كل الأطفال»

-«بالتفكير في الأمر فحلمي الأول في طفولتي كان الطيران كالعصافير، مهلا! هل يمكننا الطيران حقا؟»

نظر لها بنظرة خبيثة وابتسم فتفاجأت وقالت:

-«لا تقل أن الأمر حقيقي!»

-«حقيقي مليونا بالمئة، هل أنتِ مستعدة لتحقيق حلم الطفولة والطيران أعلى من السحب؟»

كانت خائفة من الأمر نوعا ما ولكنها أومأت برأسها أنْ نعم وابتسمت، حينها قال عبد الإله بحماس:

-«هيا بنا، لنفعلها»

ثم مد لها يده وبسط أصابعه وانتظرها للحظات لتعطيه يدها، كانت حركته العفوية هذه تشعرها بالحماس والرومانسية لذلك تحجرت مكانها وشعرت بالخجل، في النهاية حين لم يلقى منها أي استجابة ضرب يديه ببعضهما وقال:

-«إن لم تضربي يدك بيدي فسأضربها بنفسي»

في تلك اللحظة ظهرت سحابة خيبة كبيرة سوداء عاصفة على رأسها وقالت بنبرة متقطعة:

-«كنت تريد...أن أضرب...يدي بيدك؟»

-«أجل وماذا ظننتِ؟»

في تلك اللحظة تحولت سحابة الإحباط لسحابة غضب وشددت هبة على قبضتها ثم دفعته بأقصى قوة لينزلق من على الممشى الخشبي ويسقط في البحر وتركته هناك يحاول الخروج من الماء وذهبت غاضبة تضرب رجليها بالأرض بقوة.

ركبا الحافلة متوجهين للمكان الذي سيطيران فيه ولكن لم يخبرها أي تفاصيل عن الموضوع، كان فقط يقطب حاجبيه، ثم قال:

-«تأخرنا بسبب مقلبك اللطيف من خلال رميي في البحر، احتجت ربع ساعة لأغير ثيابي، أحسنتِ، لا أعلم ما مشكلتك معي ولا أعلم ما فعلت حتى تعامليني هكذا»

كانت تستمع له صامتة وهي تقطب حاجبيها أيضا ثم قالت في نفسها:

-«غبي، ظننتك تريد مني إعطاء يدي لك لتمسكها في مشهد رومنسي، لكن كان علي توقع الأمر، أنت بارد ونذل وغير رومنسي بالمرة، أتساءل مالذي سيحصل مع زوجتك المستقبلية، فليعنها الله أيًا من كانت، مزعج، بارد، عديم إحساس»

ثم قال عبد الإله بعد أن نال منها الصمت المرعب:

-«الفتيات حقا غريبات، تارة يكن بخير وتارة يقلبن وجوههن كالوحوش، لحسن حظي أنني لست فتاة»

استفزها كلامه فاستدارت نحوه ورمقته بنظرة حادة جعلته يصمت على الفور، كان صمته من أجل أن لا يعقد المشكلة أكثر وليس خوفا منها، أراد أن يترك العلاقة بينهما جيدة حتى لا يتكرر ما حصل بالأمس في منزل هشام، ولهذا بقي مطبقا شفتيه طوال الرحلة يحدق بالأشخاص الذين يصعدون وينزلون من الحافلة، وكذلك هي لم تقل أي شيء البتة بل بقيت تراقب المناظر الطبيعية من النافذة وهي ما تزال غاضبة منه.

قد يكونان شخصين متناقضي الطباع، هي حساسة ورقيقة وهو مجنون وبارد وغير مراعٍ، لكن الصدفة التي جمعتهما جعلتهما مقربين كثيرا ومنحتهما مغامرات عديدة مضحكة ومسلية.

كل هذا سيبقى ذكريات بينهما بمجرد أن تنتهي تلك الرحلة، ولهذا عليهما رسم أجمل اللحظات والاستمتاع بكل ثانية تمر قبل العودة للوطن.



عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 7:33 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الإثنين يونيو 27, 2022 12:29 pm

ضُرمة الشباب: الفصل السابع



في منطقة نائية على بعد كيلومترات من مدينة هاواي وعمرانها وصل كل من عبد الإله وهبة لمكان للطائرات المروحية فتعجبت هبة من الأمر وقالت:

-«هل سنطير بالمروحية فقط؟»

-«بل سنقفز»

-«نقفز! لا تقل أن...»

-«أجل، قفز في الهواء ونزول ببطء بواسطة المظلة»

بمجرد سماع ذلك ارتجفت أوصال هبة وشعرت بخوف شديد كونها تخاف المرتفعات، ثم قالت بنبرة مهتزة:

-«لكن ماذا لو انقطع بنا خيط المظلة؟ سنتحطم لمليار قطعة حتما»

-«لن يحصل ذلك فمعنا فريق من المتخصصين المجهزين للتصرف في الحالات الطارئة، هذا لو حصلت حالات طارئة، سيتفقدون المظلات جيدا ويهتمون بأبسط التفاصيل حتى لا يصير أي خطأ»

-«لكن...المكان عالٍ»

-«بالطبع سيكون عاليا، هل تظنين أن من المنطقي القفز بمظلة من على شجرة أو عمارة؟»

-«لا أعلم، ولكن المسافة لا تبشر بالخير»

نظرت هبة جانبا فرأت طائرة مروحية صغيرة تمر بالجو ويقفز منها مجموعة من الشباب والشابات ويهبطون بالمظلة بهدوء ويصرخون وكان مشهدهم مثيرا للحماس لكن في نفس الوقت مرعبا، تنهدت بعمق وحاولت التشجع وقالت:

-«حان وقت التغلب على مخاوفي، لنفعلها»

-«أجل، لنفعلها»

مد لها يده وبسط أصابعه فبقيت تحدق به للحظات ثم تذكرت الحادثة المحرجة التي حصلت سابقا مما جعلها تحاول تفادي الوقوع بها مجددا لذا ضربت يده كمصافحة سريعة وابتسمت، ثم بادلها الابتسامة وانطلقا نحو وجهتهما.

أول ما فعلاه أنهما صعدا الطائرة المروحية مع مجموعة من الشباب والشابات وارتديا الملابس الواقية وحقائب المظلات ثم جلسا مكانهما ينتظرات إقلاع المروحية.

كانت هبة ترتجف من الخوف، ورغم أنها ركبت الطائرة مرات عدة سابقا لكن موضوع القفز من الهواء هو ما لا يريحها.

وصلت الطائرة المروحية لأعلى نقطة في الجو وصرخ عليهم المشرف أن يستعدوا للقفز وبمجرد سماع ذلك ارتجف جسد هبة وصارت تنظر من الزجاج لترى بعد المسافة عن الأرض مما جعلها ترتجف ارتجافا واضحا كقطة مذعورة رأت كلبا مفترسا.

فجأة أحست بعبد الإله يضع يده على يدها وعندما نظرت إليه تلاقت أعينهما، كان التقاءا أسطوريا وعيناه تلمعان كاللؤلؤ مما أذابها في سحره.

فجأة استيقظت من غفلتها وتنحنحت فقال الآخر:

-«إن شعرتِ بالخوف فتمسكي بيدي، اتفقنا؟»

أومأت برأسها أنْ نعم وابتسمت ثم وقفا وتوجها نحو البوابة استعدادا للقفز، نظرا لبعضهما ثم أمسك بيدها بقوة وقفزا معًا قفزة واحدة وبسطا ذراعيهما في الجو وساقيهما أيضا وشعرا بأنهما يطيران حقا.

كان الجو باردا جدا في الأعلى ونسمات الهواء القوية ترتطم بوجههما فتكاد تمنعهما من الرؤية لولا النظارات الواقية، حاولت هبة تحريك أطرافها ولم تستطع من شدة ضغط الجو، كل ما كانت تحس به هو يد عبد الإله التي تتشبث بها بقوة.

للحظة شعرت بالخوف كلما اقتربت من الأرض لكن يده التي تمسكها تحاوطها بالأمان والسكينة، واصلا الطيران عبر الجو إلى أن اقتربا من الأرض فصرخ عليها أن تضغط على زر إطلاق المظلة وفعلت، فخرجت المظلة وأخذهما الهواء للنزول ببطء إلى أن بلغا الأرض فاستلقيا بجانب بعضهما يحاولان التنفس من هذه المغامرة الممتعة.

كانت هبة تتنفس بقوة، كانت تعاني ملايين المشاعر المتضاربة؛ حماس، خوف، امتنان لأنها وصلت بسلام، رعشة وسعادة.

والآن قاما بتنفيذ حلم من أحلام الطفولة وهو الطيران.

من هناك توجها مباشرة لشاطئ البحر وبقيا يتناولان الغداء ويسبحان إلى أن حان الليل ونزل الظلام نسبيا فجلسا على الشاطئ ينظران لأمواج المحيط الهادئ والهواء يأخذها ذات اليمين وذات الشمال، كانت رائحتها منعشة.

كان بجانبهما تماثيل عملاقة لأشخاص رؤوسهم مستطيلة يشبهون الهنود الحمر، وتعتبر تلك التماثيل من أهم المعالم الأثرية في هاواي ولذلك التقطا معها الكثير من الصور وضحكا على شكلها.

على بعد خطوات منهما رأيا مجموعة من الناس يرقصون بجانب النار رقصة مضحكة وآخرون يعزفون على الطبل والناي والغيتار بشكل صاخب لذا نظر عبد الإله لها وابتسم وقال:

-«هل تريدين التجربة؟»

انفجرت من الضحك وقالت:

-«أود ذلك، يبدو ممتعا»

-«إذًا لنشاركهم هيا»

ركضا بسرعة نحو تلك المجموعة وشاركاهم الرقصة من خلال التصاق عدد كبير من الناس ببعضهم من الخلف كالدودة وصاروا يسيرون ويغنون بطريقة هستيرية وصوتهم صاخب يملأ المكان.

قاموا أيضا بالرقص العشوائي وأراهم كل أحد مهاراته وجنونه، وعندما حان دور هبة تنحنحت من الإحراج ورفضت أن تُظهر نفسها بشكل سخيف لذا رقصت بشكل طبيعي، أما عبد الإله فلم يكن يكترث البتة فقد حول الأجواء من حوله لحفل صاخب ورقص بجنون وزحف في الأرض كالدودة المصروعة وأظهر كل الجنون الذي بداخله دون مبالاة، كان يظن أن الحياة تُعاش مرة واحدة فلماذا علينا الخجل من طبيعتنا البشرية وعفويتنا؟

قام أحد الموجودين في المنطقة بتوزيع عقد من الصدف على الجميع كتذكار من تلك الليلة الممتعة فوضعت هبة العقد في رقبتها وأحبته كثيرا وقررت إضافته لمجموعة ذكرياتها.

في نهاية السهرة جلسا قرب النار وهما يشربان عصير جوز الهند من جوزة حقيقية فيها قشة، كانت السماء صافية والقمر بارز وشبه كامل مما جعله يتوسط السماء في منظر ساحر للأعين.

بينما يشربان من جوزة الهند انفجرت هبة من الضحك بهستيرية وقالت:

-«هذا لا يصدق! هل أنا حقا في هاواي! وأشرب عصير جوز الهند من جوزة حقيقية أيضا! هذا حقا لا يصدق!»

-«يبدو أن الرحلة أعجبتك»

-«لدرجة لا تتصورها، بل ومازلت أشعر أنه مجرد حلم، أتساءل أين كنت كل هذه المدة؟ لماذا لم أسافر من قبل وأعطي نفسي فرصة لخوض مغامرة مذهلة كهذه»

-«لا بأس، أنا أؤمن أن كل شيء لا يحصل إلا في أوانه، أؤمن أنه لولاي لما فكرتِ في الأمر بتاتا لذا فالقدر كان يخطط لجعلي ألتقي بكِ ذات يوم وأغير رأيك تماما»

-«صحيح، القدر حقا أعطاني هدية لا مثيل لها، أنا ممتنة»

ثم أخذت رشفة من عصير جوز الهند خاصتها وقالت بتوتر وهي تحدق بعيدا في القمر:

-«بالحديث عن القدر...»

فجأة توقفت عن الكلام ونظرت نحوه ونظر هو الآخر فالتقت أعينهما وذابا في بعضهما، كانت شفاهها ترتجف وهي تحاول يائسة قول تلك الكلمة التي لطالما تمنت قولها، كلمة أحبك التي ستغير منحى علاقتهما من زمالة لعلاقة حب.

في اللحظة التي فتحت فيها شفتيها لتنطقها وإذا بشاب ثمل من كثرة الشرب يتعثر ويسقط على عبد الإله مع كوبه ويقاطع تلك اللحظة التي حاولت جاهدة استجماع الشجاعة لأجلها، حينها نفض عبد الإله قميصه من الكحول العالق عليه ونهض بسرعة، ثم قال للشاب الذي أمامه:

-«لا عليك، لم يحصل شيء»

بينما هو منهمك بمحاولة التخلص من الرائحة الكريهة للكحول ذهبت هبة للوقوف أمام البحر وصارت تضرب الرمل برجلها بقوة وتقول في نفسها:

-«تبا! تبا! تبا! دائما يقاطعنا شيء ما، هذا حقا مستفز»

في تلك الليلة وقبل أن يخلدا للنوم أوصل عبد الإله هبة للكوخ الذي تنام فيه ثم وقف يكلمها أمام الباب قائلا:

-«لقد أمضينا الكثير من الوقت هنا في هاواي رغم أن الأمر لم يكن مخططا له، ولهذا قررت، سنغادر غدا»

-«مؤسف، تمنيت أن نبقى أكثر فهاواي تبدو مكانا كبيرا للاستكشاف»

-«مازالت الولايات المتحدة أيضا والصين، كوريا، الهند، روسيا، فرنسا، تركيا والمزيد المزيد من البلدان التي ستحصلين فيها على مغامرات لا تعد ولا تحصى»

صرخت هبة قائلة:

-«اليابان، لا تنسى اليابان رجاءا»

-«أجل، اليابان أيضا، فقط دعينا ننهي رحلتنا في الولايات المتحدة الأمريكية وبعدها سنجوب العالم»

-«أجل، لنفعلها ونحتفظ بأجمل الذكريات»

ابتسمت له واستدارت لتدخل غرفتها لكنه نادى عليها مجددا قائلا:

-«مهلا هبة، ماذا عن عائلتك؟»

حين سمعته شعرت بالحزن الشديد وقالت:

-«كما تعرف فلا يمكنهم الوصول إلي عبر شريحة الهاتف، كما أنني أغلقت جميع حساباتي على مواقع التواصل مؤقتا لكي لا أرى رسائلهم وتوبيخاتهم، لكن الشيء الأكيد الذي علي قوله بأنني حينما أعود لليبيا فأنا ميتة لا محالة»

-«يا إلهي! ما الحل؟ ماذا سنفعل؟»

-«لا أعلم، سأحاول تجنبهم قدر الإمكان، لكن في اللحظة التي يعثرون فيها علي فسأقرأ على روحي الفاتحة فحسب»

-«حتى ذلك الوقت لنستمتع بالرحلة»

أومأت برأسها أنْ نعم وابتسمت رغم حزنها ثم تمنت له ليلة سعيدة ودخلت غرفتها لتغوص في نوم عميق.

آن صباح اليوم التالي واستيقظت هبة على نفس الروتين كالمعتاد وجهزت أغراضها من أجل المغادرة وقبل أن تخرج التقطت عدة صور في الغرفة كذكرى.

في نفس الوقت كان عبد الإله متوجها نحوها بحقائبه ليذهبا معًا ولكنه لمح قارب صيد صغير يخرج منه مجموعة من الشباب ومعهم حزمة من المحار يضعونها في شبكة، توقف يحدق بهم ليرى ما يفعلونه فرآهم يضعون المحار على الأرض ويفتحونه بسكينة ويحاولون استخراج اللؤلؤ منه.

كانت تلك فرصة لمغامرة رائعة جديدة فركض نحوهم وقال:

-«مرحبا شباب، هل تستخرجون اللؤلؤ؟»

أجابه أحدهم:

-«أجل كما ترى»

-«أيمكنني مشاركتكم؟ وصديقتي أيضا»

-«إن كانت جذابة فلِمَ لا»

انفجر الشاب من الضحك فلم يعجب كلامه عبد الإله، ثم قال شخص آخر كان معه:

-«اسمع يا فتى، لقد اشترينا القارب بثمنٍ غالٍ ولا يمكننا السماح لمن هب ودب باستخدامه»

-«أعلم ذلك، لكن خدمتكم هذه لن تكون دون مقابل»

-«إن كان كذلك فلا بأس، وليكن في علمك أن استخراج اللؤلؤ ليس بالأمر الهين، قد تصطاد ألف محارة ولا تجد فيها أي شيء»

-«لست قلقا بشأن ذلك، المهم هي المتعة»

-«ما من شيء ممتع يا فتى، إنه متعب جدا»

فرك عبد الإله مؤخرة رأسه بتوتر وهو يحدق بالشباب الثلاثة وفي النهاية قال أحدهم:

-«إن كنت تريد المجيء فهيا بنا، لا تؤخرنا عن العمل»

وضع عبد الإله يده على رأسه مثلما يفعل البحارة للتحية وقال:

-«هاي هاي كابتن»

ثم ركض نحو هبة التي كانت في غرفتها قلقة من تأخره، أخيرا بعد أن طرق الباب تنهدت براحة وخرجت إليه لكنه شدها من ذراعها مباشرة وأخذها، استغربت من الأمر وتوقفت به في منتصف الطريق وقالت باستغراب:

-«حقائبي!»

-«دعكِ منها، لدينا شيء لنفعله وسنعود لأخذها»

أخذها نحو القارب الذي ينتظرهما ثم صعداه واتجه بهما لمنطقة قريبة من الشاطئ، كانت هبة مستغربة من وجودهما هناك خاصة أنها تخاف الأماكن التي تحيط بها المياه من كل مكان لذا قالت:

-«ما الذي سنفعله؟ هل سنسبح هنا؟»

-«بل سنغوص ونصطاد المحار ونستخرج منه اللؤلؤ»

فجأة ارتجف جسدها وشعرت بخوف شديد وقالت:

-«نغوص؟ أنا حتى لا أجيد السباحة»

نطق أحد الموجودين على القارب:

-«المسافة متر ونصف، يمكنك الوقوف»

-«مازلت خائفة رغم ذلك، الماء مخيف، ماذا لو كان هناك حيوانات مفترسة أو رخويات سامة؟»

ثم نطق آخر:

-«نصطاد هنا دائما وما من خطر»

نظرت هبة للماء فرأت كم كان صافيا ويمكن رؤية الرمل والطحالب والحجارة بالأسفل بطريقة واضحة، أي أنها تستطيع التحسب لأي خطر، لكن رغم ذلك مازالت غير مرتاحة.

ارتدى الجميع أحذية خاصة بالماء ونظارات للمساعدة على الرؤية وكانوا متحمسين لبدء العمل ما عدا هبة التي كانت متوترة وتحدق بالأمواج.

صرخ عبد الإله وهو يقفز مكانه من الحماس:

-«هيا بنا، يمكننا فعلها، سنصبح أثرياء إن عثرنا على اللؤلؤ»

ردت هبة بإحباط:

-«لا أحتاج الثراء، أحتاج حياتي»

-«أوه هيا! ماذا قد يحصل على بعد متر ونصف؟»

-«لا أحد يعلم»

-«نحن أربع رجال وسنتدخل لننقذك لو تطلب الأمر»

-«حسنا، سأحاول»

نزل الشباب الثلاثة أصحاب القارب أولا نحو الماء وقاموا بالسباحة لأسفل واستكشاف المنطقة وكانوا يجدون عدة محارات مختفية خلف الطحالب والبعض منها مرمي بشكل عشوائي هنا وهناك، فجمعوها في شبكة صيد وأخوها على متن القارب وقاموا بعدها فكان عددها 16 محارة.

تفاجأ عبد الإله من هذا الصيد الثمين وشعر بالحماس وقال:

-«تخيلوا بأن داخل كل واحدة منها لؤلؤة! أنتم أثرياء يا شباب»

نظر الشباب الثلاثة لبعضهم وانفجروا من الضحك على سخافة عبد الإله فهو لا يعلم صعوبة إيجاد لؤلؤة حقيقية حتى في مليون محارة.

ثم وقف عبد الإله ومرن جسده وصرخ بحماس:

-«حان دورنا»

شعرت هبة بالخوف فقالت:

-«مهلا! اذهب أنت، سأحتاج وقتا لأتشجع»

-«حسنا، ها أنا ذا»

صرخ صرخة واحدة ثم قفز في البحر وهمّ يسبح يمينا وشمالا يبحث عن المحار الكبير الذي ينفع أن يكون به لؤلؤ، كانت الرؤية ضعيفة مع تحرك أمواج الماء وأشعة الشمس المنعكسة لذا احتاج بعض الوقت ليعتاد على الوضع.

بينما الجميع منهمكون بجمع المحار كانت هبة ما تزال واقفة على حافة القارب تدخل رجلها في الماء ثم تتراجع وتخرجها مجددا وتكرر الأمر مرارا وتكرارا دون أن تستطيع حسم الأمر، وحتى رغم أنها مربوطة بخيط أمان نحو القارب فهي لم تستطع ذلك.

جمع عبد الإله ست محارات، أما أصحاب القارب فجمعوا حوالي 100 محارة بمختلف الأحجام، الوحيد الذي لم يحرك ساكنا هي هبة فمع مرور الوقت لم تتقدم ولو خطوة واحدة.

حانت استراحة الغداء فجلسوا يتناولون السمك المشوي على الفحم وبقيت هبة تأكل بهدوء وتروٍ وهي تفكر في طريقة تتخلص بها من خوفها من الماء، بينما عبد الإله يملأ بطنه ويأكل بشراهة ضربها على ظهرها بهدوء فأفزعها وانتفضت من الخوف وقالت:

-«ما بالك!»

-«أعتذر، هل تمكنتِ من تجاوز الأمر؟»

-«لا أعتقد»

-«يمكنكِ البقاء متمسكة بي لو أردتِ»

-«ليس هذا ما يقلقني، لكنها فوبيا»

-«هل حصل معكِ حادث سبب لكِ هذه الفوبيا؟»

-«بصراحة لا، إنها فوبيا دون أي سبب وجيه»

-«نحن هنا لنغامر ونتحدى أنفسنا فلا تضيعي الفرصة، متأكد أنكِ لن تجدي مثلها، بمجرد عودتنا للوطن ومقابلتكِ لعائلتك ستندمين ندما شديدا لتضييع كل تلك التجارب المذهلة»

-«ما يزعجني أنك دائما محق في كلامك»

-«حقا!»

نظرت له بتجهم وقطبت حاجبيها فقال:

-«أقصد أجل، لولا النصائح والإرشادات التي أقدمها لك لكنتِ الآن ما تزالين تخيطين قلوب الناس في المستشفى وتعيشين حياةً مملة روتينية مع عائلتك وخطيبك الممل»

أومأت برأسها أنْ نعم وقالت:

-«صحيح، سأحاول أكثر بعد الأكل، لكن لا تزعجني، أعطني الوقت»

-«مزيد من الوقت! لقد قضيتِ الصباح بالفعل تضيعين الوقت ولم تحققي أي شيء، تهوري هيا، اقفزي في الماء مباشرة دون تفكير ولن تندمي»

-«هذا مخيف»

-«لا تنسي، التهور هو المفتاح»

تنهدت بعمق وأكملت طعامها وكان موضوع الغوص ما يزال يشغل تفكيرها، لكن عبد الإله محق في كل كلمة يقولها، التهور هو المفتاح، لو انتظرَت اللحظة المناسبة فهي لن تأتي أبدا.



عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 7:39 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الثلاثاء يونيو 28, 2022 4:54 pm

ضُرمة الشباب: الفصل الثامن



على متن ذلك القارب الذي يطفو على بعد أمتار من شواطئ جزر هاواي جلست هبة على الحافة تنظر للمياه محاولة النزول والتخلص من أكبر مخاوفها، كان الشباب الثلاثة أصحاب القارب منهمكين بجمع المحار في المنطقة بجد ودُؤب وعبد الإله معهم يصارع مع قدراته المحدودة لجمع أكبر ما يمكن في الجهة الأخرى من البحر.

بعد عناء طويل من هبة استطاعت أن تنزل ساقها في الماء حتى الركبة وحين ظن الجميع أنها نجحت سحبتها مجددا وعادت لداخل القارب تطوف بالمكان خائفة ومتوترة وهي تقول بتذمر:

-«تبا! ما هذه المعاناة؟ كان الحصول على شهادة طبية في جراحة القلب أسهل من ذلك بكثير»

أمضى الجميع وقتهم على القارب واستسلمت هبة تماما وقررت البقاء بعيدة وترك صيد المحار لأصحابه ولكن الأمر أحزنها لأنها لا تستطيع خوض تلك المغامرة والتغلب على مخاوفها.

فجأة سمعت من بعيد أصواتا غريبة تشبه أصوات حيوانات، لكنها استغربت الأمر فمن أين سيأتي حيوان هنا في وسط البحر، رفعت رأسها ببطء وانبهرت حين رأت دلفينين أحدهما بالغ والآخر صغير، كانا على بعد أمتار من القارب يسبحان ويقفزان عدة مرات متوالية، كانت هذه معجزة فلطالما تمنت رؤية دلفين يسبح أمامها.

حينها صرخ أحد أصحاب القارب قائلا:

-«إنها الدلافين مجددا»

قالت هبة:

-«هل تقابلونها هنا عادة؟»

-«أجل من حين لآخر تأتي ونطعمها السمك، إنها حيوانات ودودة ومتصالحة مع البشر ويمكن ترويضها بسهولة»

ذلك الحيوان اللطيف ذو الزعانف جعلها تركض نحو حافة القارب ومعها سمك نيء من طعام الغداء وحاولت رفعه لأعلى بيدها حتى يراه الدلفين.

كان الدلفين الصغير نشيطا جدا فسبح أولا نحو هبة والتقط السمكة من عندها وعندما رأته يفعل ذلك انفجرت من السعادة على لطافته.

فجأة شعرت بشعور غريب بالشجاعة لذلك وضعت ساقها الأولى في الماء، ثم تلتها الثانية، ثم صارت تنزل ببطء شديد شيئا فشيئا إلى أن تمكنت أخيرا من الوقوف وسط الماء والدلفين يسبح بجانبها.

رغم خوفها الشديد استطاعت أخيرا أن تتغلب على مخاوفها، بقي شيء واحد وهي أنها لطالما تمنت لمس الدلفين، لذلك حاولت جاهدة الاقتراب منه لكنه نشيط ويواصل السباحة باستمرار في كل الجهات لذا كان عليها أن تلحقه رغم تيارات الأمواج والرمل المنزلق أسفل قدميها.

وفي آخر محاولة لها عندما حاولت لمسه تمكنت من ذلك في مؤخرة ذيله وبسبب ذلك شعرت بحماس شديد وانزلقت وسقطت في الماء على ظهرها ولأنها جبانة خافت وفقدت توازنها وصارت تتخبط في الماء يمينا وشمالا.

وبينما تتخبط بالأسفل أحست بشيء عند رجلها يشبه المحارة فالتقطته بيدها وكان هذا آخر ما تتذكره لأنها فقدت الوعي بسبب صراخها الهستري وخوفها.

فتحت هبة عينيها فوجدت نفسها على متن القارب وعبد الإله والرجال الثلاثة محاطون بها من كل جانب يحاولون تفقد أحوالها، حينها رمشت بعينيها وسعلت لتخرج الماء العالق بحلقها ثم نهضت تستنشق الهواء النظيف وقالت:

-«أين الدلافين؟»

قال عبد الإله:

-«لقد غادروا، دعكِ منهم، كيف حالك؟»

-«بخير، أعني لم أصب بأذى»

-«كيف تكونين غبية لدرجة أن تغرقي في بحر ارتفاعه متر ونصف! هذا حقا أكثر موقف مثير للشفقة رأيته في حياتي»

قطبت هبة حاجبيها وانزعجت من كلامه وكانت ستمسح الأرض بكرامته ولكنها أحست بشيء قاسٍ في يدها وعندما رفعتها وجدت محارة، كانت تلك هي المحارة التي التقطتها وهي تغرق ولحسن الحظ ما تزال محتفظة بها، حينها صرخت بحماس:

-«لقد اصطدت محارة بنفسي، لا شك أنني سأجد لؤلؤة هنا، رائع! رائع! رائع!»

هز عبد الإله كتفيه وانفجر الشباب الثلاثة ضحكا، وهكذا انتهت رحلة ذلك اليوم وعادوا نحو الشاطئ ليُحصوا ما جمعوا من غنائم ويستعدوا لفتح المحارات والتنقيب على الثروة.

وصل الجميع لشاطئ البحر فجلسوا جانبا ومعهم كل ما جمعوه؛ جمع الشباب الثلاثة حوالي 200 محارة، وجمع عبد الإله 46، أما هبة فجمعت واحدة فقط ووضعتها في منديل وبقيت تنظر لها بإعجاب شديد وسعادة بالغة إلى أن تحركت فأفزعتها وانتفضت من الخوف وأسقطتها، ثم قالت:

-«هذا الشيء يتحرك! كيف ذلك!»

قال أحد الشباب:

-«لا أريد أن أصدمك لكن المحار كائن حي»

-«وهل يختنق حين يخرج من الماء أيضا؟»

-«أجل، لكنه يستغرق وقتا طويلا ليفعل»

-«جميل، عرفت الكثير من المعلومات عن المحار وصيده، إنه لأمر رائع!»

التقطت المحارة من الأرض ونظرت لها بسعادة ولكن هذه المرة أمسكتها بقوة حتى لا تسقط منها إن تحركت.

في نفس الوقت كان عبد الإله يفرك يديه ببعضهما بسعادة وهو يحدق بذلك العدد المهول من المحار الذي اصطاده بنفسه، وأول شيء فعله أنه نظر للذين أمامه ليتعلم منهم الطريقة الصحيحة لاستخراج اللؤلؤ.

كانوا يمسكون المحارة ويفتحونها بالسكين ببطء شديد ثم يبحثون في الكتلة اللحمية عن اللؤلؤ ويكررون الأمر على كل المحارات التي معهم.

فعل عبد الإله نفس الشيء بحماس وفي كل مرة كان يجد المحارة فارغة، ورغم أنه بدأ المغامرة بحماس لكن أحس بالخيبة مع كل محارة يفتحها ويجدها فارغة.

استمر الأمر على هذا الحال إلى أن يئس ورمى السكين جانبا دون أن يكمل ووضع يده على خده بانزعاج.

رأته هبة محبطا لتلك الدرجة فجلست بجانبه وربتت على كتفه وقالت:

-«لا عليك، ما يزال هناك المزيد منها، جرب مجددا»

رد عليها بإحباط شديد:

-«لا أريد، لا فائدة، الأمر متعب ومحبط»

-«هل تريد أن أساعدك؟»

-«لا، ماذا عن محارتك؟ هل وجدتِ بها شيئا؟»

-«لم أفتحها بعد»

-«وماذا تنتظرين؟»

-«أنتظرها لتموت...ربما»

انفجرا من الضحك ثم أخذت هبة السكين وقدمته لعبد الإله ليكمل ما تبقى من المحارات وقالت:

-«علينا العثور على لؤلؤة وأخذها معنا لليبيا، دعنا نحقق هذه الأمنية الصغيرة، وإن لم ينجح الأمر فسنعود للبحر ونجمع المزيد حتى نجدها»

التقط عبد الإله السكين من عندها وأومأ برأسه أنْ نعم وهو مبتسم ثم عاد ليقوم بما عليه، في نفس الوقت أخذت هبة محارتها ونظرت إليها بحماس وقالت:

-«ربما لدي محارة واحدة مقارنة بهم لكنني أؤمن بالمعجزات، أعلم أنني سأجد بداخلها لؤلؤة كبيرة، أعلم أن الله لن يخيبني فهو يعرف حجم رغبتي بالأمر»

تنهدت بعمق وابتسمت ثم حملت السكين ببطء ووجهته للشق الموجود وسط المحارة، حركته بقوة فوجدته قاسيا لذا احتاجت بعض الطاقة الجسدية وأخيرا انفتحت، نظرت بالداخل فوجدت كتلا غريبة من اللحم ومن خلالها قامت بتمرير السكين لتجد أي لؤلؤ لكن للأسف لم تعثر على شيء وهكذا نزلت سحابة خيبة سوداء كبيرة على رأسها واستسلمت وضربت المحارة بالأرض بانزعاج.

في نفس الوقت أكمل عبد الإله ما هم به وكالعادة لم يعثر على اللؤلؤ في أول عدة محارات، لكن وبينهما هو فاقد الأمل فإذا به يلمح بين لحم المحار شيئا أبيض مكورا بحجم حبة السمسم ففتح عينيه من الصدمة وصرخ قائلا:

-«ما هذا الشيء؟! أيعقل أنه ما أظنه؟»

التمت هبة والشباب الثلاث عليه فانصدموا لأنه أخيرا وجد شيئا، كانت تلك معجزة حقيقية فقد مر وقت طويل جدا منذ العثور على لؤلؤة حقيقية في المحار.

نظر الجميع لها بانبهار ثم قال عبد الإله:

-«لكن لما هي صغيرة هكذا؟ تصورت أنها أكبر من ذلك»

أجابه أحد الشباب:

-«أنت تمسك بثروة في يدك لو لم تكن تعلم، ماذا ستفعل بها؟»

ثم قالت هبة بحماس:

-«بعها واشتري لنفسك سيارة ومنزلا واستقر هنا في هاواي»

ثم رد عليها أحد الشباب:

-«من حجمها بالكاد تكفي لسد حاجة الطعام شهرا أو شهرين»

مع كلامهم المتواصل عن قيمة اللؤلؤة شعر عبد الإله بانزعاج، ثم نظر لهبة فوجدها سعيدة جدا بما حصل، لكن بدل أن يحتفظ باللؤلؤة لنفسه مد يده معطيا إياها لزميلته في المغامرة، وعندما رأته يفعل ذلك تعجبت، ثم قال:

-«أعلم كم تريدين الحصول على واحدة، لذا قررت إعطاءها لك، تستحقينها، أنا لا أهتم كثيرا للأشياء التذكارية لكن أنتِ تفعلين»

فجأة صار الشباب الثلاثة يصفقون ويهتفون بحماس وقال أحدهم:

-«هذا لطيف! أنتما ثنائي رائع ومتفاهم، تزوجا رجاءا»

احمر خد الآخرين والتقطت هبة اللؤلؤة بسرعة ثم ركضت بعيدا لتتفادى الخجل الذي تشعر به، أما عبد الإله فنظر للشباب وقطب حاجبيه وقال:

-«نتزوج ها؟!»

انتهت رحلة هاواي أخيرا وقرر المغامران الاثنان الانتقال للولايات المتحدة الأمريكية لذا حجزا تذكرة الطائرة للعودة هناك، ومن مطار واشنطن مباشرة توجها لنيويورك لرؤية تمثال الحرية.

بعد وصولهما تمكنا من رؤية التمثال من بعيد بسبب ارتفاعه الشاهق فركضا نحوه ينظران إليه ولجماله، كان الأمر أشبه بالخيال حقا، حينها قالت هبة:

-«حين تنظر له من هنا يبدو كما لو أنه سيسقط علينا»

-«صحيح، لندخل ونراه»

دخلا من البوابة الرئيسة فأخذتهما لدرج طويل جدا صعدا عليه مع بقية الزوار إلى أن وصلا للقمة حيث رأس التمثال، نظرا للأسفل فرأيا بحيرة نيويورك وبنيانها الشاهق وكان منظرا لا يقدر بثمن.

أخيرا بعد أن استقرا في مكان رومنسي قررت هبة الاعتراف بمشاعرها فأردفت دون تفكير:

-«هناك أمر أردت إخبارك به لكن في كل مرة هناك ما يقاطعنا»

-«ما هو؟»

-«الحقيقة...»

حاولت جاهدة أن تخبره بما لديها بسرعة قبل أن يقاطعهما شيء آخر لكن الكلمات أبت أن تخرج من بين شفتيها، كان موقفا صعبا للغاية، في البداية ظنت أنها تستطيع البوح ببساطة لكن تبين لاحقا أن الأمر أصعب مما تخيلت، والآن تمنت لو يحصل شيء يقاطعها وينقذها من الإحراج.

التفتت جانبا فرأت طفلا صغيرا مع والدته وأردفت:

-«أتحب الأطفال؟ انظر لذلك الطفل الجميل!»

قطب عبد الإله حاجبيه وقال:

-«لا أحبهم، ماذا عن الموضوع الذي تريدين التحدث معي عنه؟»

-«لا شيء البتة»

صمت كلاهما فجأة فأصبح الوضع غير مريح، وفي نفس اللحظة استدارت هبة معطية له ظهرها ونبست بخجل شديد:

-«أنا معجبة بك»

عندما سمع كلامها شعر بالتوتر وصار يفرك مؤخرة رأسه ثم تنحنح وصار ينظر يمينا شمالا دون أن يدرك ما يفعل، كان دماغه يبحث عن أي رد يقوله لها لكن لم يجد، الأمر كان مفاجئا جدا فهو لم يتوقع أن تقع بحبه مع شخصيته اللئيمة الباردة الغير مراعية.

دقائق وهما على نفس الحال ثم قام بتغيير الموضوع قائلا:

-«هل زرتِ هوليوود من قبل؟»

ردت عليه وهي معطية له ظهرها مطأطئة الرأس:

-«أيها الغبي، تعرف أن الإجابة لا»

-«ماذا لو زرناها معا؟»

-«أود ذلك»

-«لنذهب فهناك الكثير من المغامرات بانتظارنا»

نبس جملته الأخيرة ببرود ثم توجه نحو الدرج لينزل عليه، في حين كانت الأخرى تتعرق حرفيا من التوتر والخجل، ثم أردفت محدثة نفسها بصوت خافت:

-«ماذا عن اعترافي؟ كيف سأعرف رأيه بي؟ وهل هذا يعتبر رفضا أم أنه لم يجد كيف يرد علي بعد؟ ياله من لئيم بارد!»

نزلا للأسفل وذهبا لمدينة نيويورك وأثناء مرورهما بالشوارع قابلتهما فتاة أمريكية وقد كانت تسير خلف هبة بسرعة إلى أن بلغتها فالتصقت بها من الجانب وقالت:

-«مرحبا آنستي، لا بد أنكِ سائحة»

-«أجل أنا كذلك»

-«عندنا عرض رائع سيلائمك دون أدنى شك، فندق رخيص وطعام مجاني»

-«حقا؟»

حينها تدخل عبد الإله:

-«لا، شكرا لكم، سنتدبر أمرنا بأنفسنا»

أضافت الفتاة:

-«نيويورك غالية الثمن ويبدو أنكما سائحان جديدان وسيتم النصب عليكما، لا تضيعا الفرصة»

-«نشكر لكِ لطفك ولكن لا نريد»

كانت الفتاة ملتصقة بجانب هبة الأيمن تسير معها طوال الطريق مما أزعجها للغاية، ورغم كل محاولاتها فقد رفضها عبد الإله رفضا قاطعا كسر إلحاحها إلى أن وصلا أخيرا لموقف الحافلة فتركتهما الفتاة وذهبت مما جعل هبة تتنهد براحة وتقول:

-«هؤلاء الناس مزعجون حقا، غصبا عنك عليك تحمل سماع إعلاناتهم، يذكرونني بإعلانات اليوتيوب»

وضعت يدها في جيب حقيبتها لتخرج هاتفها ولكن صدمة خارقة جمدتها في مكانها، المكان فارغ هناك حيث تضع الهاتف والأغراض المهمة من وثائق ونقود وبطاقات، رمشت بعينيها عدة مرات وحاولت البحث أكثر وإقناع نفسها أن الأمر غير صحيح لكن هيهات.

وضعت حقيبة سفرها على الأرض وفتحتها بينما المارة يتماشون حولها وأخرجت منها كل شيء وطرحته على الأرض بلا مبالاة، كان كل همها أن تعثر على ضالتها وتريح قلبها الذي سيتوقف في أي لحظة.

بينما عبد الإله يراقبها كان مستغربا جدا من الأمر فشعر أن هناك خطب وقام بنقرها على كتفها فرفعت رأسها نحوه ونظرت له بوجه خالٍ من الملامح شاحب مصفر، وأخيرا وليس آخرا وقفت بمحاذاته وصرخت صرخة واحدة مدوية لفتت انتباه الجميع من حولها.

كان الآخر قلقا عليها فهزها من كتفيها عدة مرات وهو يصرخ:

-«مالخطب؟!»

أجابته بنبرة خوف بعد أن فقدت هدوءها:

-«أغراضي يا عبد الإله، أغراضي، كلها ضاعت، وثائقي وجوازي ومالي وهاتفي، أو دعنا من الهاتف، جوازي ضاع وأنا هنا مغتربة»

قطب عبد الإله حاجبيه وفكر لبعض الوقت فتذكر أن تلك الفتاة اللحوحة التي تروج للفنادق الرخيصة كانت ملتصقة بهبة بشكل مزعج وغريب ولذلك عرف سبب ضياع الأغراض وصرخ وهو يبتعد:

-«ابقي هنا، سأعود فورا بعد أن أعثر على تلك السارقة»

لم يمضي وقت طويل على مقابلة تلك الفتاة اللحوحة لذا فكر عبد الإله أنها ما تزال في المنطقة وركض يبحث عنها بين الناس، لحسن الحظ مازال يتذكر شكلها وملابسها لذا هناك أمل ولو كان طفيفا.

في نفس الوقت بقيت هبة تلطم وجهها وتدعو الله أن يجد عبد الإله السارقة لأنه لو حصل حقا ولم يفعل فستعلق حرفيا في الولايات المتحدة لأشهر دون وثائق ودون حقوق ولن يوظفها أحد ولن يؤجر لها أحد بيته، هي ستعتبر مجرد لاجئة مسلوبة الحقوق.

رغم كل محاولات عبد الإله ورغم معرفته بالسارقة جيدا لكن لم يستطع إيجاد أي أثر لها، لقد ركض طويلا حتى انقطع نفسه وطاف على كل الناس المتواجدين في الشوارع، من الطبيعي أن تغادر وتهرب بعد أن عثرت على غنيمة وتذهب لشارع آخر أو منطقة أخرى وتوقع أشخاصا آخرين في شراكها، وفي النهاية عاد نحو هبة يجر ذيول الخيبة وحاول طمأنتها بأن الأمور ستكون بخير وسيتواصلان مع الشرطة لإيجاد حل للمشكلة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الخميس يونيو 30, 2022 9:02 am

ضُرمة الشباب: الفصل التاسع



توجه الاثنان هبة وعبد الإله نحو مركز الشرطة ووجهوا بلاغا عن ضياع أغراض هبة وأوراقها وحكوا القصة للشرطة ولكنهم لم يتفاجأوا من الأمر، ثم قال الشرطي:

-«تلك الفتاة اللحوحة التي تتحدث عنها سرقت ملايين السياح، لا بد أنها منضمة لعصابة محددة يستهدفون الأشخاس قليلي الخبرة، فيأخذون محافظ نقودهم وينهبون ما له قيمة مادية فيها ويلقون بالبقية في النفايات»

لطمت هبة وجهها وقالت:

-«أتعني أن جوازي مرمي الآن في حاوية من حاويات النفايات الخاصة بنيويورك؟»

-«دون أدنى شك»

-«رائع! رائع للغاية»

جلست جلسة قرفصاء على الأرض وغطت وجهها بيديها تتدارك موجة الإحباط القاتلة التي ضربتها، حاول عبد الإله التخفيف عنها قليلا ولكن دون جدوى، لقد تخربت متعة هذه الرحلة وذهبت الخطط التي خططا لها سدى، هي الآن عالقة في الولايات المتحدة الأمريكية ولن يستطيعا السفر حول العالم كما وعدت عبد الإله سابقا.

قاما بالإجراءات اللازمة وحصلت هبة على وثيقة مختومة تثبت ضياع جوازها وأرشدهما الشرطي للطريقة التي تستطيع بها العودة للوطن وذلك من خلال التواصل مع السفارة الليبية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكة.

لم يكن من السهل أبدا أبدا حل مشكلة الوثائق فقد احتاج ضبط الأمور أيام ومازال يحتاج المزيد من الوقت، وطوال تلك الأيام الصعبة كان عبد الإله هو من يصرف على هبة ويهتم بها ويساعدها في التنقل حتى تضبط أمورها كونها فقدت كل شيء.

مع وقوفه المستمر معها شعرت أنها مدينة له للغاية وثقيلة عليه لذا حاولت إيجاد حل لمشكلتها، وبينما هما جالسان في السفارة الليبية ينتظران دورهما لدخول مكتب الاستعلامات قالت هبة:

-«آسفة على تخريب الرحلة، يفترض أننا قضينا كل هذا الوقت الضائع في رؤية الولايات المتحدة الأمريكية أكثر، وأيضا عندما انتهينا ذهبنا لبلد آخر، ربما اليابان أو روسيا أو كندا»

-«لا عليك، المهم أن تتمكني من استعادة كل وثائقك»

-«لكنك سمعت ما قاله الشرطة بالفعل، استرجاعها يحتاج أشهر، وأنت بالفعل ضيعت ما يكفي من المال والوقت علي، هل يمكنني طلب أمر منك رجاءا؟ اذهب بدوني واستمتع بوقتك وحين أنهي وثائقي سألحق بك»

صمت عبد الإله وقطب حاجبيه وقال:

-«هل أنا مزعج بالنسبة لك ولذلك تريدين التخلص مني؟»

-«أبدا، صدقني»

-«إذًا لا تناقشي، لقد تعاهدنا على السفر معا والعودة للوطن معا لذا لا تتفلسفي كثيرا»

ابتسمت هبة له وشعرت بالسعادة لأنه لم يتخلى عنها رغم كل شيء، بعد وقت طويل تمت المناداة عليها فذهبت لشباك الوثائق حتى ترى مالخطوة التالية التي عليها فعلها.

بعد أن تم الانتهاء من كل شيء خرج الاثنان نحو البوابة فلحق بهما رجل غريب ونادى عليهما قائلا:

-«أنتما، سمعت أنكما في مشكلة»

قال عبد الإله:

-«كنت تتنصت علينا؟»

-«لا، كنت جالسا بجانبكما فوصلني الحديث بأكمله، لديكما مشكلة مع جواز السفر أليس كذلك؟»

-«أجل»

-«لا تحتاجانه بعد الآن، أعرف كيف أدبر لكما طريقة للعودة للوطن دون مشاكل، لكن طبعا ستكون مكلفة»

-«وكيف نعرف أنك لست نصابا»

-«ولما قد أنصب عليكما؟ إنها وظيفتي التي أجني منها المال، صدقاني لن تندما»

كان عبد الإله غير مرتاح البتة لذلك الرجل الغريب، لكن حين نظر لهبة رأى الأمل من خلال عينيها، كانت تود العودة للوطن بأي طريقة، بقاؤها هناك لم يزد الوضع إلا سوءا، والطريقة الوحيدة ليرتاح قلبها الخائف المتعب هي أن تعود لمنزلها ووطنها إلى حين تصبح وثائقها جاهزة، هكذا لن تشعر بأي قلق أو خوف.

قال عبد الإله بعد تفكير دام لدقائق:

-«حسنا، ماذا يفترض بنا أن نفعل؟ صديقتي فقدت جوازها ووثائقها وتحتاج الإجراءات سنوات»

-«سأتدبر لها تذكرة للسفر بحرا مع مجموعة من الناس ووثيقة يمكنها من خلالها التنقل دون مشاكل»

-«مهلا مهلا! لا تقل أن ذلك غير قانوني»

-«ليس تماما، لكن فيه مخاطرة»

-«أبدا، لن أوافق، مستحيل، كلا»

شدته هبة من ذراعه لتجذب انتباهه وقالت بعينين دامعتين:

-«لا ترفض، ليس لدي حل آخر كما تعرف، أنا بحاجة ماسة لذلك، دعنا نفعلها»

رغم عدم ارتياحه للأمر لكنه هز رأسه بالإيجاب وقال:

-«وماذا نفعل؟»

-«أعطياني كل بياناتكما الخاصة وأرقامكما وادفعا لي وسأتواصل معكما لاحقا»

-«ولمَ لا ندفع عند استلام طلبنا أحسن؟»

-«هذا لأعرف أنكما جادان حقا، لن أتعب نفسي بتزوير التذاكر والوثائق وفي النهاية لا تدفعان ولا تردان علي أصلا»

لم يكن بيد عبد الإله خيار آخر فوافق على كل شروط ذلك الشاب، احتاج الأمر عدة أيام وأخيرا اتصل بهما وأخبرهما أن وثائقهما جاهزة فذهبا إليه ليقابلاه في مكان فارغ.

دقائق وأتى وأعطاهما الوثائق خلسة ثم غادر فشعرا بسعادة غامرة وسارا عبر الطريق عائدين لموقف الحافلة، وبينما يسيران فإذا برجل أمريكي أسمر يعترض طريقهما ويوجه المسدس عليهما ويصرخ:

-«أنتما، قفا مكانكما»

تجمد الاثنان مكانهما من الخوف ورفعا أيديهما، ثم استأنف الحديث قائلا:

-«كل النقود التي معكما ضعاها على الأرض فورا»

صرخ عبد الإله:

-«لا نستطيع ذلك، نحن نحتاج المال للعودة لليبيا، لم يبقى لنا الكثير حرفيا»

-«وأنا ما همي بكما؟ هذا المكان خاص بالعصابات والمافيا فقط والبقاء للأقوى، هاتِ حقائبكما وكل أغراضكما»

ومجددا وقفت عقبة أخرى في طريقهما وهي أسوأ عقبة حتى الآن، سيفقدان أوراقهما ومالهما وحتى ملابسهما، واحتمال أن يفقدا حياتهما أيضا، ليس هناك أسوأ من هذا الموقف على الإطلاق.

نظر عبد الإله لهبة فرآها تبكي بينما ترفع يديها لأعلى، كانت يائسة تماما في الاختيار بين أغراضها وحياتها، فجأة قالت الكلام وهي تبكي بحرقة:

-«رجاءا، اسمح لنا بالمغادرة، صدقني أنا يائسة للغاية وبائسة ولا شيء يحصل معي كما أريده هذه الأيام»

ابتسم المسلح بسخرية وقال:

-«وأنا ما همي بك؟»

-«صدقني أنا محطمة، أتيت من ليبيا لأستكشف العالم وأحقق أحلامي، تركت أفراد عائلتي القلقين علي ووظيفتي الرائعة كجراحة قلب، وحتى خطيبي تركته، وعندما أتيت إلى هنا ضيعت وثائقي وها أنا أعاني لإيجاد طريقة للعودة للوطن، وفي كل مرة تحصل مشكلة جديدة تعقد الأمور أكثر، أنا بائسة، لما لا يحالفني الحظ ولو لمرة؟ لماذا أنا منحوسة؟ كل ما أريده قضاء رحلة ممتعة والعودة للوطن، هيا اقتلني رجاءا فأنا لم أعد أستطيع العيش أكثر مع هذا الحظ البائس الذي يساورني»

رمش المسلح الذي أمامها عدة مرات دليلا على استغرابه ثم قال باعتيادية:

-«أتظنين أن كلامك سيؤثر فيا ويجعلني أتركك تذهبين؟ أنتِ درامية للغاية يا فتاة»

-«ربما معك حق»

-«لكن جديا، إنها أول مرة أرى شخصا منحوسا أكثر مني ولذلك لن أؤذيكما، لكن بالمقابل مازلت أريد المال، سلماني المال واحتفظا بأمتعتكما فلا أظن أنني سأستفيد منها أساسا»

قفزت هبة من الحماس وصرخت:

-«شكرا جزيلا لك، لن أنسى لك معروفك»

حينها همس عبد الإله محدثا نفسه:

-«لما تشكره على عدم قتلنا؟ فتاة سخيفة حقا»

أعطيا المسلح بعض المال وخرجا من هناك ركضا بعد أن عرفا أنها منطقة مليئة بالعصابات، هكذا الحال دائما في الولايات المتحدة الأمريكية فهناك مناطق خطرة لدرجة أن الشرطة لا تتجرأ على الذهاب إليها.

بعد وصولهما لمحطة الحافلة وهما يركضان جلسا جانبا وتنفسا بعمق وحمدا الله لأنهما خرجا من هناك على قيد الحياة، فجأة صارا ينظران لبعضهما ويضحكان بهستيرية على الموقف الذي وقعا فيه، كان الأمر مخيفا بقدر ما هو مضحك، من كان يصدق أن رجل عصابة مسلح سمح لهما بالمغادرة حَيين بسبب كون حظ هبة منحوسا أكثر منه.

الخطوة التالية منهما كانت التوجه للسفينة التي ستبحر إلى ميناء ليبيا من الولايات المتحدة الأمريكية، كانت هذه أخطر خطوة يقومان بها حتى الآن ولا أحد يعلم ما العواقب.

ذهبا إلى هناك في الصباح الباكر فلمحا الباخرة التي سيغادران على متنها والركاب يصعدون إليها أفواجا، نظرا لبعضهما وتنهدا فالخطوة القادمة خطرة جدا، شجعا بعضهما بالإيماءات ثم انطلقا نحو المدخل حيث رجال الشرطة يفحصون الوثائق.

رأى رجال الشرطة وثائق عبد الإله أولا ولأنه لم يكن بها أي خطب سمحوا له بالدخول، ثم أتى دور هبة وكانت ترتجف من الخوف، من يراها يعرف أن هناك خطبا، هي فاشلة تماما في إخفاء خوفها، لكن في النهاية سمحوا لها بالدخول فتنفست الصعداء وركضت سعيدة للداخل.

ذهبا بسرعة نحو غرفتهما وكانت صغيرة تكفي فقط لسرير وخزانة حائط، والمحرج في الأمر أنهما معًا في غرفة واحدة، طبعا لم يكن بيدهما خيار آخر فهبة الآن تحت التهديد وعليها أن تبقى معه في كل آن وأوان حتى يطمئن عليها ويهرع لمساعدتها.

وضعا أغراضهما في الخزائن ثم استلقى عبد الإله على سريره وقال:

-«لم أجرب يوما السفر بالباخرة، إنه لأمر ممتع أن نحظى بتجربة أخرى جديدة»

-«أجل، رغم ذلك مازلت خائفة وسأبقى حتى نصل لبر الأمان، قد يكتشف رجال الشرطة أمر وثائقي المزورة في أي لحظة»

-«لا داعي للمبالغة، هناك آلاف الركاب على الباخرة وسيستغرقون سنوات ليدققوا مع الجميع لذا لا تقلقي»

-«حسنا، سأحاول أن أهدأ»

-«لو كنتِ متعبة فاخلدي للنوم، لقد سهرنا طوال الليل ننتظر موعد الرحلة لذا لا بد أنكِ متعبة»

-«ماذا عنك؟»

-«سأغادر وأعود بعد ساعة أو ساعتين»

أراد أن يغادر الغرفة لكنها أوقفته صارخة عليه بخوف:

-«مهلا، لا تذهب، لا يمكنني الشعور بالأمان دونك، أنا حاليا قلقة وخائفة ولولا وجودك لكنت بحال أسوأ، ابقى هنا رجاءا»

تنحنح من الخجل حين سمع كلامها ثم تراجع للخلف وجلس على سريره دون أن ينظر لها حتى، أما هي فابتسمت من تصرفاته ثم وضعت رأسها على الوسادة وأغمضت عينيها لتغوص في نوم عميق.

بعد حوالي ثلاث ساعات استيقظت ونظرت من حولها فوجدته يعبث بهاتفه، اقترب وقت الغداء كثيرا لذا وجدت عصافير بطنها تصرخ طالبة الأكل حتى سمعها الآخر من سريره وأردف:

-«لنذهب في جولة في السفينة، وأيضا لنتدبر لك شيئا لتأكليه»

-«هيا بنا»

توجها نحو سطح السفينة حيث باقي الركاب وكان الكل يجلسون مستمتعين بأشعة الشمس يتحدثون ويضحكون والبعض الآخر يلتقطون الصور وآخرون يقفون على حافة الباخرة ينظرون للمحيط الهادئ وأمواجه.

توجه الاثنان مباشرة لركن الطعام ونظرا للداخل عبر النافذة فرأيا الناس يأكلون مختلف الأطباق اللذيذة من دجاج وبيتزا ومقبلات وحساء لحم البقر والخضراوات وما شابه ذلك من مأكولات، حينها قالت هبة بإحباط:

-«لقد أسرفنا سابقا في صرف المال والآن ها نحن ذا لا نجد ما نسد به جوعنا،الطعام الذي معنا لن يكفي لشراء شيء فخم كهذا»

ساءه حالها كثيرا فأردف بتوتر:

-«سأشتري لكِ ما تريدين، فقط اطلبي»

-«لا تفعل، لقد بقي القليل، دعنا لا نقع في الخطأ مجددا، دعنا نقتصد حتى حين وصولنا لليبيا وسنأكل ما نشاء»

-«مخطئة، ربما لم أخبرك عن الأمر ولكن كنت أحتفظ بمبلغ مالي للطوارئ في أمتعتي في بطاقة خاصة، يمكننا أكل ما نشاء الآن فنحن عائدون للوطن على كل حال ولن نحتاجه»

صرخت هبة بحماس:

-«حقا!»

-«أجل، والآن هيا لنملأ بطوننا بكل ما نستطيع»

-«أريد مؤكولات بحرية، سيكون من المذهل تجربتها لأول مرة»

-«مثل ماذا؟»

-«سلطعون أو قريدس أو كافيار»

-«كافيار! لا لا لا هذا كثير جدا»

-«إذًا قريدس»

-«حسنا سأشتري لكِ القريدس»

قرقرت بطنها مرة أخرى محرجة إياها فضحك الآخر عليها وقال:

-«بسرعة فبطنك تكاد تنطق بأنها تموت من الجوع»

دخلا قاعة الأكل فأتاهما النادل وقدم لهما القائمة وقال:

-«ماذا تطلبان حضرة السيد والآنسة؟»

قالت هبة:

-«سلطعون مشوي على النار وقريدس»

ثم قال عبد الإله:

-«وأنا أريد ضأن البقر المشوي»

أتاهما النادل بالطلب فتناولاه وامتلأت بطونهما وكان شعورا مريحا جدا أن تحصل على الطعام الذي هو أجمل ما في الحياة.

بعد أن أنهيا الأكل توجها لطاولة الدفع وعندما أدخل الموظف البطاقة في آلة الدفع لم يجد بها ولو سنتا واحدا وقال:

-«بطاقتك فارغة يا سيد»

انصدم الاثنان مما سمعاه وفتحا عينيهما من الصدمة، وقال عبد الإله:

-«أأنت متأكد؟ لقد عبأتها بالفعل قبل مجيئي»

-«يمكنك إلقاء نظرة بنفسك»

نظر للعداد فرأى السعر المكتوب فيه هو 0 دولار، حينها تنحنح من الإحراج وصار ينظر حوله باحثا عن طريقة لحل للمشكلة، فجأة صرخ بصوت عالٍ:

-«هبة، اهربي»

أمسكها من ذراعها وركضا باتجاه البوابة لكن مجموعة من نوادل المطعم أمسكوهما بسهولة وأخذوهما للمطبخ، ثم قال موظف الدفع:

-«أمسكتكما أيها الفارّان»

قال عبد الإله بخوف:

-«آسف، رجاءا لا تحبسوني»

-«لن نحبسك، ولكن لما حاولتما الأكل والهرب دون الدفع؟»

-«لم نخطط لذلك ولكن تبين أن المال ليس معنا»

-«بل خططتما للأمر من البداية وأحضرتما بطاقة فارغة لأظن أنكما مسكينان وأسمح لكما بالمغادرة دون الدفع»

قالت هبة:

-«غير صحيح، نقسم لك أننا كنا ننوي الدفع ولكن تبين أن البطاقة فارغة»

-«عليكما الدفع بأي طريقة، والطريقة المتاحة لكما حاليا هي أن تساعدا في المطبخ وتغسلا الأواني»

قال عبد الإله:

-«هذا سهل، موافقان»

تلك الفكرة أحسن من فكرة الهرب دون دفع بالنسبة لهما، ولذلك بدآ بالتنفيذ فورا مرتديين ملابس العمل وتوجها لغسل الأواني والمساعدة.

بعد انتهائهما من الأكل خرجا ليجلسا على سطح الباخرة ووقفا في مقدمتها مباشرة وكان الهواء باردا ومنعشا يرتطم بهما ويأخذ ثيابهما وشعرهما للخلف، تذكرت هبة في هذه اللحظة فيلم التايتانيك حيث يقف كل من جاك وروز في المقدمة متعانقين ويبسطان يديهما ويشعران بالرياح الباردة التي تجعلهما يبدوان كأنهما يطيران.

بينما هي غائصة في التفكير بتلك اللقطة الرومنسة سمعا على بعد خطوات منهما فرقة موسيقية تعزف معزوفة كلاسيكية وحين استدارا وجدا حفلا تنكريا يرتدي فيه الناس ملابس من العصر الفكتوري والعشاق يرقصون ثنائيات، كانت لقطات رومنسية لا مثيل لها، تمنت هبة أن تعيش مثلها ولكن الشخص الذي أمامها شخص غير رومنسي بالمرة.

وضعت ذراعيها على الحاجز الحديدي الذي يحيط الباخرة ووضعت إحدى يديها على خدها وبقيت تنظر بعيدا للمحيط، كانت محتارة حقا فيما يخص ذلك الشاب الذي تحبه، حتى الآن لا مستقبل واضح لعلاقتهما.

فجأة أحست بيد تنقرها من الخلف على كتفها فاستدارت ووجدته يقف بطريقة غريبة واضعا يديه على ظهره والأخرى على بطنه كما لو أنه يريد تقديم نفسه، ثم قال:

-«مرحبا يا آنسة، أعرفكِ على نفسي، أدعى عبد الإله»

ابتسمت بخفة على تصرفه وقالت بسخرية:

-«تشرفنا، لكن ما الذي تفعله بالضبط؟»

-«أحاول فعل شيء ما لا أدري ما هو»

-«يالك من سخيف حقا»

-«تخيلي أنني أمير وسيم من حقبة العصر الفكتوري وقد أتيت لأطلب منكِ الرقص معي»

تجمدت مكانها من الصدمة فأخيرا رأت منه تصرفا رومنسيا، هي حتى لم تصدق ما سمعته فلم تجد أي رد، فجأة اقترب منها بخطوات متباطئة ولكنها أوقفته وقالت:

-«انتظر، أولا لنرتدي مثلهم»

ذهبا لمجموعة من الأشخاص يوزعون ملابس العصر الفكتوري وارتدوها وكانت هبة تبدو جميلة في ذاك الثوب الأنيق الفضفاض، بينما بدا عبد الإله غريبا نوعا ما فهي لم تلائمه كونه قصير القامة.

وقف بمحاذاتها ومد لها يده فتفاجأت مجددا من رومنسيته المفاجئة، ابتسم لها ابتسامته المشرقة المعتادة فاحمر خداها واستسلمت نهائيا ثم مدت يده لها، وضع إحدى يديه على ظهرها والأخرى أمسك بها مشابكا إياها من يده ثم بدآ الرقص، كانا قريبين من بعضهما لدرجة أن انفاسهما ترتطم ببعضها.

بينما يرقصان قال:

-«ترى كيف وقعتِ بحبي؟»

تنحنحت من الإحراج وأدارت وجهها للجهة الأخرة لكنه سحبها أكثر إليها وأمسك يوجهها مديرا إياه نحوه وأردف بينما ينظر في عينيها المتلألئتين:

-«لقد جمعتنا الصدفة معًا لنكون زميلين في المغامرة ونقضي رحلة مليئة بالمغامرات، العوائق، الغرائب والتحديات الجديدة، ورغم ذلك علي الاعتراف بشيء»

تحمست هبة للأمر كثيرا وابتسمت بخجل بينما تنتظر اعترافه لها بحبه، حينها قال:

-«أرجوكِ لا تحبيني، لست صالحا للحب، لقد فكرت في الأمر مليا وأريد منكِ أن تفهمي أن الارتباط آخر ما أفكر فيه»

فجأة تحولت ملامحها لعبوس وحزن قاتل، أحست بقلبها يتألم وينشطر نصفين على هذا الجواب المحزن، ثم أردف الآخر:

-«أيمكننا أن نبقى مجرد صديقين؟ ونسافر معا فحسب؟ ونخوض مغامرات شيقة؟ فقط لنتجاهل الحب وسخافاته»

صمتت هبة لدقائق تستجمع شتات نفسها ثم نطقت أخيرا بنبرة حادة:

-«لماذا تقول أن الحب سخيف؟ هو ليس سخيفا بل هو شعور دافئ وجميل»

-«هذا في نظرك أنتِ»

-«هل الأمر حقا كذلك أم أنك تريد رفضي فحسب؟»

-«بل لأنني غير مستعد للزواج، إن ارتبطت بفتاة فعلي التقدم لها، وسأخبرك عن الأمر بصراحة، أنا لا أنوي الزواج في القريب العاجل»

-«هكذا إذًا؟»

تجاوزته وذهبت لغرفتها منزعجة ومنذ تلك اللحظة لم يتكلما ولم ينظرا لبعضهما، ورغم أنهما يسكنان نفس الغرفة فقد تجاهلا بعضهما طوال فترة رحلتهما بالباخرة.



عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 2:31 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الخميس يونيو 30, 2022 1:58 pm

ضُرمة الشباب: الفصل العاشر (الأخير)



في صباح يوم مبهج وجميل توقفت الباخرة القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية في ميناء طرابلس عاصمة ليبيا محملة بالركاب من كل حدب وصوب.

حين رست أخرجت هبة أغراضها من الخزانة دون أن تنظر لعبد الإله الذي يحدق بها بطرف عينه، تجاهلته وجوده كليا وتوجهت نحو الباب لكنها توقفت حين رأت رجال الشرطة في المنطقة، كانوا يتفقدون الأوضاع ويفتشون حقائب الراكبين وهذا أخافها وجعلها تعود لداخل الغرفة وتختبئ.

تنهد عبد الإله ثم حمل أغراضه وخرج أولا، كان يود البقاء ومساعدتها ولكنها تتجاهله متعمدة وتعامله بازدراء وهذا يعني أنها لا تحتاجه.

نزل من الباخرة مباشرة وطوال الطريق كان يفكر بها وبالطريقة التي انتهت بها صداقتهما، لكن يبدو أن ليبيا تخبئ لهما مفاجأة بحيث في الدقيقة التي نزل فيها هجم عليه رجال الشرطة وقبضوا عليه وهو يصرخ ويحاول التحرر منهم، وأول ما فكر فيه هو أن الأمر بخصوص تزوير وثائق هبة، لكن لاحقا جاء نحوه رجل كبير في السن ومعه شابان يافعان وصرخ الرجل الكبير:

-«أين ابنتي؟ أعلم أنها معك، تكلم»

تفاجأ الآخر وعرف أخيرا ما الذي يجري، القصة كلها حول هبة، ثم قال أحمد أحد إخوان هبة:

-«أنت هو إذًا سبب كل تلك المشاكل، أنت من خدعت أختي وخربت بينها وبين خطيبها وخطفتها»

قال عبد الإله باستغراب:

-«خطفتها!»

ثم قال وسام الأخ الآخر لهبة:

-«لقد قمنا بالتبليغ عنك وتم رصدك في المطار معها، والآن تم إبلاغنا من قبل الشرطة أنك ستعود للوطن بحرا ولهذا خططنا للقبض عليك، لكن ماذا عن هبة؟ أين هي؟ أين تركتها أيها القذر؟ إن أصابها مكروه فسوف تندم»

كان عبد الإله محتارا بين إخبارهم الحقيقة وبين حماية هبة، فإن أخبرهم أنها عادت معه فسيأخذونها ويحبسونها مجددا، وإن لم يفعل فسيبقى متهما بخطفها وسيتعرض للمساءلة القانونية.

في النهاية اتخذ القرار وأحنى رأسه ببرود وقال:

-«لا أعرف شيئا عنها»

حينها قال أحد رجال الشرطة الذين يقيدونه:

-«تفضل معنا لقسم الشرطة»

فجأة ومن الخلف صرخت هبة قائلة:

-«أبي، وسام، أحمد، أنا هنا»

استدار الجميع إليها ثم ركض والدها وأخواها عندها، أما عبد الإله فظل يحدق بها بنظرة حادة على ما فعلته، كلاهما يعلم أن للأمر عواقب وخيمة.

أمسك والد هبة بها من كتفيها بقوة وصرخ بغضب:

-«أين كنتِ؟ لقد قلقنا عليك، ماذا فعل لك هذا الحقير؟ أخبرينا وسنقوم بقتله»

-«لم يفعل أي شيء»

-«كيف ذلك! أليس هو من حاول التلاعب بمشاعرك ليستغلك؟ وكذلك جعلك تتركين عملك وخطيبك؟»

-«أبدا، لقد تركتها بملء إرادتي، وأيضا هو لم يختطفني أو يجبرني على أي شيء، لقد هربت عن قناعة وسافرت عن قناعة، كل ما فعله أنه رافقني بل وقام بحمايتي في كثير من المواقف الخطرة»

استغرب الجميع مما سمعوه في حين كانت إفادة هبة كافية لتفسير الكثير من الأمور لذلك قام الشرطيان بإفلات عبد الإله.

في النهاية غادرت هبة مع أهلها للمنزل وتعرضت للكثير من التوبيخ والإذلال منهم، ولأنهم محقون في كل حرف يقولونه فهي لم تناقشهم ولم ترد ولو بكلمة واحدة، وبسبب غلطتها تلك تم حبسها في المنزل ومنع جميع وسائل التواصل عنها، كانت فقط تخرج أحيانا من أجل العمل على استرجاع وثائقها التي ضاعت، ولأن الأمر يستغرق أشهرا فقد بقيت تنتظر في البيت فحسب دون أي تذمر أو نقاش.

بالنسبة لعبد الإله فقد عاد لحياته الطبيعية في لبييا وقام بالعمل من أجل جمع المزيد من المال للرحلات القادمة، مازال بعد لم يكتفي من الرحلات والمغامرة، مازال العالم واسعا وهناك الكثير من البلدان لزيارتها ورؤية معالمها.

مرت أشهر منذ آخر مرة رأى فيها هبة ولكن بطريقة ما كان يشعر بالفراغ في داخله، كان كل صباح يستيقظ وأول ما يخطر على باله هو الذكريات التي خلفتها له من مغامراتهما معا، كانت ابتسامتها الجميلة ترتسم بين عينيه لتجعله يشعر بالحزن.

في أحد الأيام بقيت هبة في غرفتها ترتب خزانتها وبينما تخرج الأغراض عثرت على ذكرياتها من أيامها مع عبد الإله، كان هناك صندوق صغير به زهرة مجففة لونها بنفسجي وأبيض، تلك ذكراها من أيام ذهابهم للشلال، هناك أيضا عقد من الأصداف يمثل ذكراها من شاطئ هاواي حين احتفلا ورقصا حول النار، وهناك أيضا لؤلؤة صغيرة موضوعة في قنينة زجاجية صغيرة وتلك ذكراها من أيام صيدهما للمحار، وأخيرا حجر كريستالي لامع يمثل ذلك اليوم الذي دخلا فيه للكهف الموجود أسفل الشلال.

بينما تنظر للأغراض بحزن شعرت بالحنين لأيامهما معا، لكن في نفس الوقت كانت مستاءة منه لمعاملتها بتلك الطريقة في أيامهما الأخيرة معا.

أعادت الصندوق لمكانه بعد أن سمعت والدتها تناديها لتناول الغداء ونزلت من غرفتها متوجهة لغرفة الأكل حيث الجميع مجتمعون، جلست معهم على الطاولة ببرود كالمعتاد فقال الأب:

-«لم تعودي تفكرين في الهروب على ما يبدو»

-«ولما قد أهرب؟ ليس لدي مكان أذهب إليه أو هدف أسعى لتحقيقه حتى»

أقلق كلامها أفراد العائلة فهي حقا لم تعد تملك أي اهتمام بأي شيء، وأحيانا حتى لو تركو الباب مفتوحا فهي لم تحاول الهرب أبدا.

حينها قال الأب:

-«هل فكرتِ في العودة لوظيفتك كطبيبة جراحة؟»

رفعت رأسها ونظرت إليه ببرود ولم تكن متحمسة للأمر البتة، لكنها أومأت برأسها بالإيجاب وبدأت تناول طعامها بصمت، لم يكن لديها حل آخر فهي جالسة في المنزل منذ أشهر تضيع الوقت فحسب وتفكر بشخص لن يأتي لأجلها أبدا.

بعد عدة أيام عادت للعمل كطبيبة في المستشفى ومن حين لآخر تجري العمليات الجراحية وتهتم بالمرضى، لكن الغريب أنها تغيرت كليا وأصبحت إنسانة هادئة وباردة، حتى كل زملائها لاحظوا هذا التغير المرعب في تصرفاتها.

ذات يوم توجه عبد الإله بسيارته في جولة حول المدينة وبينما يمر على أحد الشوارع لمح المستشفى الذي تعمل فيه هبة، في البداية أدار وجهه لكن شعورا غريبا بداخله جعله يريد الدخول والبحث عنها والكلام معها بشدة.

حاول جاهدا تجاهل ذلك الشعور لكنه استسلم في النهاية وركن سيارته وركض متجها نحو المستشفى يبحث عنها، لقد ركض طويلا في كل أروقة المستشفى ولكن لم يعثر عليها كون البناية كبيرة جدا لذا توقف عند طاولة الاستقبال وسأل الممرضة قائلا:

-«عفوا، هل الدكتورة هبة تعمل الآن؟ وأين يمكنني العثور عليها؟»

-«أتقصد أخصائية القلب؟»

-«بلى»

-«أجل هي هنا، أظنها في قاعة الإطعام تتناول طعام الغداء»

-«أشكرك، كيف حالها؟ هل هي بخير؟»

-«الحقيقة لا أظن، بعد انقطاعها وعودتها تغيرت لدرجة لم تعد الطبيبة البشوشة المرحة التي كنا نعرفها، لقد أصبحت باردة وهادئة ولا تتحدث إلا للضرورة، أظن أن الأمر له علاقة بخطيبها الذي فسخت خطبتها عنه قبل أشهر»

-«مستحيل، ليس بسببه»

-«وما أدراك أنت؟»

-«أنا صديق سابق لها وأعرف بشأن الأمر»

-«حسنا هذا ما تم تداوله مؤخرا، لكن ما يزال السبب الحقيقي لتغيرها مجهول»

-«حسنا، شكرا على المساعدة»

بقي عبد الإله جالسا على أحد الكراسي ينتظر إلى أن أنهت هبة تناول طعامها، وحينما مرت بالرواق الذي هو جالس فيه كانت مطأطئة الرأس باردة لذا لم تلاحظه ومرت بجانبه مباشرة، بعد أن رآها تفعل ذلك شعر بالتوتر واحتاج دقائق حتى ينادي عليها وعندما سمعته انتفض قلبها وفتحت عينيها من الصدمة ووقفت مكانها متصنمة.

احتاجت دقائق لتستدير نحوه وعندما فعلت ورأت أنه حقيقة وليس خيال تقدمت منه بخطوات بطيئة وبقيت تحدق به صامتة إلى أن قال:

-«لا تحدقي بي هكذا، قولي أي شيء، هل أنتِ سعيدة برؤيتي؟»

ومجددا لم تنبس بكلمة إلى أن قال:

-«اشتقت لك»

بمجرد نطقه لتلك الكلمة ركضت باتجاهه وعانقته بحرارة عناقا يمحو شوقها وحزنها الطويل على غيابه، ورغم أنها كانت منزعجة منه ومستعدة لشتمه إن قابلته مجددا ولكن كلماته تلك حطمت حصون دفاعها وجعلتها تستسلم، لم تكن تهتم للمرضى والأطباء والممرضين من حولها فالحب أوقع بها وجعلها متهورة وغير مبالية.

ابتسم لها عبد الإله ثم أمسك بيدها وركضا معا واتجها نحو حديقة المستشفى وجلسا هناك بينما هو ممسك بيدها بقوة، نظرا لبعضهما وابتسما وكل منهما لم يصدق ما يجري، هل أخيرا هما معا؟ هل حقا أخيرا تقابلا واعترف عبد الإله بمشاعره رغم بروده وعدم اكتراثه؟ هل حقا هبة سامحته وعادت إليه بكل تلك البساطة؟ إنه لأمر رائع دون منازع.

بينما يجلسان قال عبد الإله وهو يفرك مؤخرة رأسه:

-«مازلتِ تحبينني؟»

-«طبعا، وماذا أفعل معك هنا لو لم أكن كذلك؟»

-«ظننت أنكِ نسيتي أمري، كما تعلمين مرت شهور طويلة»

-«صحيح، لكن الحب الحقيقي لا يمحى مع الزمن، أستطيع أن أقول أن حبي لم ينقص ناحيتك ولو بمقدار قليل، رغم أنني كنت منزعجة منك لكنني لا استطيع إنكار الحقيقة»

-«ممتاز»

ثم صمتا وكانت تنتظر منه أن يعبر لها عن مشاعره لكنه بدا باردا وغير مبالٍ، حينها انزعجت وقالت بحدة:

-«أنت لا تتغير أبدا»

نهضت من على الكرسي لتغادر ولكنه شدها من ذراعها ممسكا إياها لكي لا تهرب وقال:

-«إلى أين؟»

-«لجهنم»

-«لا تنزعجي مني، لا أملك الكثير لأقوله»

أدارت وجهها للجهة الأخرى منزعجة ففكر الآخر بشيء يقوله ثم قال بعد أن تنحنح:

-«اسمعي، عيناك كاللؤلؤة التي عثرنا عليها في هاواي، ابتسامتك لامعة كالكريستال الذي رأيناه في الكهف، عبيرك زكي كزهرة الأستوما الموجودة على ضفاف الشلال، وأخيرا أريد أن أحتفظ بك معي كعقد الأصداف الذي حصلنا عليه عندما احتفلنا أمام الشاطئ، أنا أحبك هبة»

فجأة انفجرت من الضحك بشكل هستيري ولم تستطع السكوت إلا بعد وقت طويل، كان هذا نوعا غريبا من الغزل لكنه أصاب فيه، حين توقفت أخيرا عن الضحك قالت:

-«أنت غير رومنسي بالمرة وحينما تحاول تأتي بكارثة، لا داعي لأطلب منك التغزل بي مجددا»

فرك عبد الإله مؤخرة رأسه بتوتر وقال:

-«آسف، سأعوضك»

عادا للجلوس على الكرسي يتحدثان ثم قال لها:

-«كيف أمضيتِ أيامك بعد عودتك لليبيا؟»

-«أمضيتها محبوسة في غرفتي تحت حراسة وتهديد أهلي، لكن يوما بعد يوم اكتشفوا أنني لا أكترث ففكوا أسري وسمحوا لي بالعودة للمستشفى ومزاولة مهنة الطب»

-«عرفت من زملائك أنكِ تغيرتِ كثيرا وصرتِ شخصا لا يعرفونه، آسف لما حصل»

-«لا عليك، كنت منزعجة لأنك كسرت قلبي، لقد بنيت عليك آمالا كثيرة، في نفس الوقت كنت حزينة لأنني عدت لحياتي المملة بعد أن اعتدت على حياة المغامرة والتجوال، إنه لأمر يبعث الإحباط»

-«صحيح»

-«تذكرت، ماذا قلت اسم تلك الزهرة التي احضرتُها من الشلال؟»

-«تدعى زهرة أستوما»

-«تحفظ حتى أسامي الأزهار؟»

-«لا، لكن حفظتها لأجلك، شعرت في الفترة المنصرمة أننا سنلتقي مجددا ونتحدث عنها وسأخبرك باسمها»

-«لطيف! كنت تفكر فيا كثيرا إذًا»

شعر بالتوتر وفرك مؤخرة رأسه ونبس:

-«أجل»

-«لطيف جدا»

-«أستطيع أن أكون رومنسيا أحيانا»

كانت بجانبهما شجيرة ورود فقطف إحداها وقدمها لها ولكن بدل أن تتفاجأ شعرت بالتوتر وقالت:

-«ممنوع قطف الورود من الأشجار، سنقع في مشكلة إن رآك أحد.

من بعيد سمعا صوت أحدهم ينادي وعندما استدارا رأيا البستاني المسؤول عن أمان الحديقة يصرخ بغضب شديد:

-«أنت، تعال هنا، ممنوع تخريب النباتات والشجيرات، سأقتلك إن أمسكتك»

قال عبد الإله بسرعة:

-«وقعنا، لنهرب»

أمسك بيدها وركضا وركض البستاني خلفهما، كانا يركضان ويضحكان وكأنهما في مغامرة أخرى جديدة، من كان يصدق أن هذين الاثنين في عقدهما الثالث من العمر، هما يبدوان كالأطفال حرفيا في تصرفاتهما ولا يكترثان لأي شيء.

بعد ان اختبآ في مكان آمن بعيدا عن البستاني وتأكدا أنه ضيعهما صارا ينظرات لبعضهما ويضحكان بهستيرية، ثم أردفت هبة:

-«نحن لا نسأم من المشاكل أبدا»

-«اسمعي، لقد قررت، أود السفر مجددا خارج ليبيا»

فجأة تحولت ملامحها للبرود بينما استأنف الآخر كلامه قائلا:

-«لا وقت لدي لأضيعه أكثر، ضُرمة الشباب لا تخبو بداخلي، المرة الماضية واجهتنا تلك المشكلة التي أعادتنا لليبيا غصبا ولكن الآن كل الأمور بخير ويمكنني السفر والتعلم من أخطائي السابقة»

-«ماذا عني؟»

-«الأمر بيدك، إن كنتِ تريدين الذهاب معي مجددا فسأكون مسرورا، لا شيء يضاهي أن نحقق أحلامنا معا،وهذه المرة ستأتين معي كحبيبة وليس كمجرد زميلة في حب المغامرة»

-«لكن...إن هربت هذه المرة فأهلي سيقتلونني حرفيا»

-«أنتِ كبيرة هبة، لماذا عليهم أن يتشددو معك؟ لقد ذهبتِ للسفر والترفيه عن نفسك وليس لفعل أشياء سيئة تعود عليهم بالمشاكل، أنتِ لم تضري أحدا بحبك للمغامرة وسفرك»

-«صحيح، حتى وثائقي جاهزة جميعها وجوازي كذلك، يمكنني السفر براحة»

-«إذًا ما رأيك؟ نسافر معًا مجددا ونحظى بمغامرات مذهلة ونتعلم من هفواتنا السابقة؟ أم ستبقين هنا حبيسة في ليبيا تحت رحمة أهلك تخيطين قلوب المرضى؟»

لم تحتج هبة البتة لأي تفكير فيما يخص هذا الموضوع، الحياة في ليبيا والعمل كطبيبة جراحة ليس ما أرادته طوال حياتها، أرادت أن تغامر، تسافر، تعيش، تجرب أشياء جديدة، تقع في مشاكل وتحاول حلها، تستمتع بحياتها وتحولها من حياة آلية روتينية لحياة ممتعة تستحق التضحية.

وبدون أي نقاش أو تذمر أومأت برأسها أنْ نعم وهي تبتسم وقالت بنبرة مليئة بالسعادة والتفاؤل:

-«أنا معك دائما أبدا، لنفعلها، لنحول حياتنا لكتاب من المغامرات الممتعة، لنشعل ضُرمة شبابنا»






النهاية



عدل سابقا من قبل بثينة علي في الخميس يونيو 30, 2022 7:02 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الخميس يونيو 30, 2022 2:10 pm

ضُرمة الشباب: فقرة الأسئلة



سلااام أحبتي

ها قد وصلنا لفقرة الأسئلة ويمكنني من خلالها التعرف على آرائكم لكي أحسن من نفسي أكثر أو أتحفز...لذا إن كانت لديكم أي ملاحظات أو رأي سلبي فلا تترددوا في كتابته ولا تقلقوا فأنا متصالحة مع نفسي وأتقبل كل الآراء...إذً الأسئلة هي كالتالي:

• ما رأيكم بالرواية؟

• كم تعطونها علامة من 10؟

• من شخصيتكم المفضلة؟

• أي نقد؟

• مشهد أعجبكم؟

• مشهد أضحككم؟

• ما رأيكم بالنهاية المفتوحة؟

• هل هناك مغامرة محددة من المغامرات الموجودة في الرواية تمنيتم خوضها؟

• هل تعتقدون أن تخلي هبة عن أهلها ووظيفتها وخطيبها لأجل السفر والمغامرة أمر جيد؟ ولو كنتم مكانها هل ستفعلون نفس الشيء؟

•هل تعتقدون أن الرواية ستفوز بمسابقة النوفيلا الحرة لعام 2022؟







والآن هل لديكم أي أسئلة أو ملاحظات لإحدى شخصيات الرواية؟

• هبة

• عبد الإله

• أحمد (خطيب هبة)

• هشام

• عائلة هبة





هذا كل شيء...سلام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
بثينة علي
Admin
بثينة علي


المساهمات : 886
تاريخ التسجيل : 27/05/2021
العمر : 25

ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Empty
مُساهمةموضوع: رد: ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)   ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي) Icon_minitime1الخميس يونيو 30, 2022 2:30 pm

ضُرمة الشباب: الخاتمة



مرحبااااااا

هرمنا من أجل هذه اللحظة يا شباب 🙃 وأخيرا أنهيت النوفيلا...لا أصدق لا أصدق رجاءا فليزغرت لي أحد لأنني حققت إنجازا خارقا للطبيعة

هذه آخر مرة أكتب فيها في فئة المغامرة يا رفاق...كما تعلمون أنا اختصاصي الرومنسي والكوميدي والمدرسي وأدب المراهقين فقط ولذلك واجهت مشكلة في كتابة رواية من صنف المغامرة...بل ولم أجد أساسا شيء أكتبه لأن معلوماتي في السفر والمغامرة حرفيا صفر...ولذلك احتجت لمشاهدة الأفلام الوثائقية وفيديوهات المغامرات على يوتيوب لأجد بعض الأفكار وأطبقها...وقرأت عن السياحة في الولايات المتحدة وطرق السفر وما إلى ذلك...والحمد لله نجحت🙃 بعد عذاب وعناء طوييييييييل

أعلم أن التسليك لفل ماكس 🤣 ولكن هذا ما استطعت عليه...أصلا هذا يعتبر إنجازا بالنسبة لفتاة مثلي لم تكتب في صنف المغامرة من قبل وتمر بوقت عصيب بسبب فقدان الشغف

أحببت شكرا اللطيفات اللواتي ساعدنني في تنقيح الأخطاء الإملائية وهن:

Hazarhazoura55
Kawn_2000
Rahma_ri
Rageyatalferdaws
yang_jay16

شكرا جزيلا لكن لطيفاتي لا أعرف كيف أرد لكن الجميل فقد وفرتن علي وقتا ومجهودا كبير...رجاءا لو احتجتن مساعدة في أي أمر لا تترددن في طلبه مني



وفي النهاية تمنوا لي التوفيق رفاق فالمرحلة النهائية من المسابقة تنتهي في 7 جويلية أما النتائج النهائية فتصدر بتاريخ 10 أوت وهناك خمس فائزين لذا فنسبة نجاحي لا بأس بها



والآن أترككم في أمان الله ورعايته أحبتي





• تم النشر : من 12 مارس إلى 30 جوان 2022







بثينة علي

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو https://bothaina-ali.ahlamontada.com
 
ضُرْمَة الشَّبَاب!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» خَلِّدِينِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
» فِي السَّمَاء!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
» رِوَايَة المُومْيَاء!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
» رِوَايَة طِفْلَتِي!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)
» القَاتِلَة الصَّامِتَة!! (بِقَلَم : بُثَيْنَة عَلِي)

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
❤ منتدى بثينة علي ❤ :: ❤مؤلفاتي❤ :: ❤روايات عربية❤-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: